→ رجوع إلى القائمة

النَّبِيُّ ﷺ جَوَادًا مُتَصَدِّقًا

الرمز: أ التاريخ: ٢١/٤/١٤٤٣هـ الفوائد: 11 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تبين هذه الخطبة عظيم جود النبي صلى الله عليه وسلم وسخائه وبذله في سبيل الله، حيث كان أجود الناس وأسخاهم يدًا لا يرد سائلاً قط. كما تستعرض مواقف وصورًا مشرقة من كرمه وعطائه الذي لا يخشى الفاقة، وحثه لأمته على البذل والصدقة. وتوضح الخطبة فضل الصدقة في الدنيا والآخرة، وكيف يضاعفها الله تعالى لصاحبها، مع التنبيه على أهمية تعاهد الفقراء والمساكين من الأقارب والجيران، والتحذير من عاقبة منع الزكاة.

النقاط

الفوائد (11)

شاهد شعري
لَك الْحَمْدُ وَالنَّعْمَاءُ وَالْمُلْكُ رَبَّنَا
فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ مَجْدًا وَأَمْجَدُ
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ
هُوَ اللَّهُ بَارِي الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ
إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جَمِيعًا وَأَعْبُدُ
— أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ
سياقها: الثناء على الله تعالى بصفات كماله وعظمته وانقياد الخلق له
شاهد شعري
سَبَقَتْ بِالْجُودِ هَذِهِ الرِّيحُ مُرْسَلَةً
لَأَسْخَى مِنْ الْبَحْرِ بَلْ أَنْدَى مِنَ الْمَطَرِ
فَفَاضَ بِشْرًا حَتَّى عَمَّ نَائِلُهُ
طَوَائِفَ النَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَمِنْ حَضَرِ
أُسِرَتْ بِالْجُودِ أَعْنَاقًا وَأَفْئِدَةً
فَكُنْتَ مِنْهُمْ مَحَلَّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ
سياقها: وصف جود النبي صلى الله عليه وسلم وسخائه الذي عم البادية والحاضرة
شاهد شعري
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا
كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ
هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ
فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهُ
— زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى
سياقها: بيان فرح الكريم وسروره بالبذل والعطاء
شاهد شعري
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوْ أَنَّهُ
أَرَادَ انْقِبَاضًا لَمْ تُطِعْهُ أَنَامِلُهْ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ نَفْسِهِ
لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سَائِلُهْ
— أَبُو تَمَّامٍ
سياقها: المبالغة في وصف كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده
كلام الشيخ
فرح النبي صلى الله عليه وسلم وسروره بما يجود به ويعطيه للناس كان أعظم بكثير من سرور الآخذ بما يأخذه.
كلام الشيخ
المال الحقيقي الباقي للعبد والذي يدخر له ثوابه في الآخرة هو ما قدمه وتصدق به في سبيل الله، أما ما يستمتع به في الدنيا فهو زائل لا محالة.
كلام الشيخ
من كرم الله تعالى وفضله على عباده أنه يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيمينه فيضاعفها وينميها لصاحبها حتى تصير كالجبل العظيم.
كلام الشيخ
فقراء جيران الإنسان وأقربائه هم أولى الناس بصدقته وعطائه، ويتأكد تعاهدهم بالبذل والإحسان.
كلام الشيخ
منع الزكاة والصدقات الواجبة عن مستحقيها من الفقراء والمساكين سبب رئيس لحبس المطر من السماء وحصول القحط والجفاف.
كلام الشيخ
الصدقة تقي العبد من النار يوم القيامة وتكون له ظلاً يستظل به حتى يقضى بين الخلائق.
قول عالم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عطاءً عظيمًا لا يخشى معه الفقر، ثقةً بفضل الله تعالى وإيقانًا بخلفه.
قَالَ الْعُلَمَاءُ

نصّ الخطبة

### الْخُطْبَةُ الْأُولَى الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ، ذِي الْكَرَمِ وَالْجُودِ، * نَحْمَدُهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَى جُودِهِ وَكَرَمِهِ، * وَنَشْكُرُهُ عَلَى جَزِيلِ آلَائِهِ وَنِعَمِهِ. * لَكَ الْحَمْدُ وَالنَّعْمَاءُ وَالْمُلْكُ رَبَّنَا ... فَلَا شَيْءَ أَعْلَى مِنْكَ مَجْدًا وَأَمْجَدُ مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ هُوَ اللَّهُ بَارِي الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ ... إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جَمِيعًا وَأَعْبُدُ * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَائْتَسُّوا بِنَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَشْيَتِهِ وَتَقْوَاهُ لِرَبِّهِ وَمَوْلَاهُ، فَقَدْ كَانَ يَقُولُ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ». عِبَادَ اللَّهِ، حَدِيثِي لَكُمْ الْيَوْمَ عَنْ كَرَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُودِهِ وَسَخَائِهِ، وَكَثْرَةِ صَدَقَتِهِ وَبَذْلِهِ وَعَطَائِهِ. * فَقَدْ كَانَ أَجْوَدَ الْبَرِيَّةِ نَفْسًا، وَأَسْخَاهَا يَدًا، هُوَ الْغَمَامَةُ السَّحَّاءُ، وَالْغَيْثُ الْمِدْرَارُ، كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُعْطِي النَّاسَ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ، فَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَكَانَ فَرَحُهُ وَسُرُورُهُ بِمَا يُعْطِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ. * قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». * وَلَمَّا وُزِّعَتْ غَنَائِمُ حُنَيْنٍ لَمْ يَدَّخِرْ لِنَفْسِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا». * وَكَانَ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ». لِذَلِكَ وَصَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جُودَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». سَبَقَتْ بِالْجُودِ هَذِهِ الرِّيحُ مُرْسَلَةً ... لَأَسْخَى مِنْ الْبَحْرِ بَلْ أَنْدَى مِنَ الْمَطَرِ فَفَاضَ بِشْرًا حَتَّى عَمَّ نَائِلُهُ ... طَوَائِفَ النَّاسِ مِنْ بَدْوٍ وَمِنْ حَضَرِ أُسِرَتْ بِالْجُودِ أَعْنَاقًا وَأَفْئِدَةً ... فَكُنْتَ مِنْهُمْ مَحَلَّ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ سَخَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ أَسْعَدَ بِالْعَطِيَّةِ مِنَ السَّائِلِ، يَتَبَسَّمُ لِلْبَذْلِ وَالنَّدَى، وَإِنْ أَغْلَظَ عَلَيْهِ السَّائِلُ وَجَفَا. * فَقَدْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ يَسْأَلُهُ، وَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَجَذَبَهُ الْأَعْرَابِيُّ جَذْبَةً شَدِيدَةً أَثَّرَتْ عَلَى صَفْحَةِ عَاتِقِهِ، وَقَالَ لَهُ: «يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ»، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كَأَنَّكَ تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهُ هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ ... فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْ كَرَمِ نَبِيِّكُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ سَأَلَهُ مُحْتَاجٌ ثَوْبًا جَدِيدًا كَانَ يَرْتَدِيهِ، فَخَلَعَهُ لَهُ الْمَوْهُوبُ، وَلَبِسَ مِنْ ثِيَابِهِ الْقَدِيمَةِ، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي لِأَكْسُوَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا لَإِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْسُنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ» فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: «وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ»، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. أَيُّهَا النَّاسُ، مِنْ أَعْجَبِ صُوَرِ كَرَمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا رَوَاهُ لَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَاشْتَرَى مِنِّي الْبَعِيرَ الَّذِي أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ لِي أَنْ أَرْكَبَهُ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. * قَالَ: فَلَمَّا وَصَلْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَعِيرِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، وَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَلَحِقَنِي، وَدَفَعَ إِلَيَّ الْبَعِيرَ وَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ بَعِيرَكَ، خُذْ بَعِيرَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ». * قَالَ: فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَعْجَبُ وَيَقُولُ: اشْتَرَى مِنْكَ الْبَعِيرَ، وَدَفَعَ إِلَيْكَ الثَّمَنَ، ثُمَّ وَهَبَهُ لَكَ! تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوْ أَنَّهُ ... أَرَادَ انْقِبَاضًا لَمْ تُطِعْهُ أَنَامِلُهْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ نَفْسِهِ ... لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سَائِلُهْ * رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَتَصَدَّقُوا مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟» قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا». * وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الَّذِي يَبْقَى لِلْإِنْسَانِ، وَيُدَّخَرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ هُوَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ، وَمَا كَانَ لِلدُّنْيَا فَهُوَ إِلَى زَوَالٍ. نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِذِكْرِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَنَفَعَنَا بِهَدْيِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. --- ### الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ الْحَمْدِ وَأَوْفَاهُ، * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدِ اسْتَحَثَّ اللَّهُ الْمُتَصَدِّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سِرًّا وَجِهَارًا، لَيْلًا وَنَهَارًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. * قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُنَمِّي صَدَقَةَ عَبْدِهِ، وَيُضَاعِفُهَا لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. * قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (متفق عليه). * وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». أَيُّهَا النَّاسُ، تَعَاهَدُوا بِالصَّدَقَةِ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ فُقَرَاءِ جِيرَانِكُمْ وَأَقْرِبَائِكُمْ، فَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِصِدْقِكُمْ وَعَطَائِكُمْ. * كَذَلِكَ تَوَصَّلُوا بِدَعْمِكُم لِلْجَمْعِيَّاتِ الْخَيْرِيَّةِ، فَهِيَ جِهَاتٌ مَوْثُوقَةٌ رَسْمِيَّةٌ، تُوصِلُ صَدَقَاتِكُمْ وَزَكَاتِكُمْ لِمُسْتَحِقِّيهَا. * هَذَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ فُقَرَاءَ كُلِّ بَلَدٍ هُمْ أَوْلَى بِزَكَاةِ وَصَدَقَاتِ أَغْنِيَائِهِ. * وَتَذَكَّرُوا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ عَنِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، سَبَبٌ لِلْقَحْطِ وَالسِّنِينَ، وَحَبْسِ الْقَطْرِ مِنَ السَّمَاءِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ؛ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ»، وَفِي لَفْظٍ: «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ». * وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».