→ رجوع إلى القائمة
من قصص موسى عليه السلام: ادخلوا الأرض المقدسة
الملخّص
تتناول هذه الخطبة جانباً من قصص موسى عليه السلام مع بني إسرائيل عند أمره لهم بدخول الأرض المقدسة. وتستعرض الخطبة تذكير موسى لقومه بنعم الله تعالى ودعوته إياهم للجهاد، ومقابلتهم ذلك بالجبن وسوء الأدب والنكوص عن أمر الله، مما أوجب عليهم عقوبة التيه أربعين سنة. كما تقارن الخطبة بين تخاذل قوم موسى وبين شجاعة الصحابة رضي الله عنهم ونصرتهم للنبي ﷺ في غزوة بدر، وختمت الخطبة ببيان فتح بيت المقدس على يد يوشع بن نون بعد نشوء جيل إيماني جديد.
النقاط
- تذكير موسى عليه السلام قومه بنعم الله عليهم ودعوتهم لفتح الأرض المقدسة.
- تنعص بني إسرائيل وجبنهم وسوء أدبهم مع نبي الله موسى عليه السلام.
- الموازنة بين موقف بني إسرائيل الخاذل وموقف الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر الفادي.
- عقوبة التيه لأربعين سنة في الصحراء لجيل العصيان والنكوص.
- نشوء جيل التربية الجديد وفتح بيت المقدس على يد يوشع بن نون عليه السلام.
الفوائد (8)
كلام الشيخ
التَّذْكِيرُ بِنِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَاعِي إِلَى الشُّكْرِ وَالِاسْتِجَابَةِ لِأَمْرِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
تَحَرُّرُ الْأُمَّةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَرَاعِنَةِ وَالظَّلَمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى مَقَامِ الْعِزَّةِ وَالْمُلْكِ، إِذْ صَارُوا أَحْرَارًا يَمْلِكُونَ أَمْرَهُمْ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
النَّكُوصُ عَنِ الْجِهَادِ وَالْإِدْبَارُ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ يُؤَدِّي إِلَى الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
الْجُبْنُ وَالْخَوْفُ يَحْجِبَانِ الْعَبْدَ عَنْ مَقَامَاتِ الْعِزَّةِ، وَيَجْعَلَانِهِ يَتَعَلَّلُ بِقُوَّةِ الْأَعْدَاءِ لِيَبْرَأَ مِنْ كُلِّ التِزَامٍ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
مِنْ مَفَاتِيحِ النَّصْرِ الْمُبَادَرَةُ بِالْهُجُومِ عَلَى الْعَدُوِّ فِي دَارِهِ مَعَ صِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْأَعْدَاءِ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
شَتَّانَ بَيْنَ سُوءِ أَدَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ نَبِيِّهِمْ مُوسَى حِينَ قَالُوا: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا)، وَبَيْنَ جَوَابِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَدْرٍ حِينَ أَعْلَنُوا الطَّاعَةَ وَالْفِدَاءَ.
· السيرة النبوية - غزوة بدر
كلام الشيخ
عُقُوبَةُ الْفِسْقِ وَالنَّكُوصِ عَنْ أَمْرِ اللهِ هِيَ الْحِرْمَانُ مِنَ النَّصْرِ وَالضَّيَاعُ فِي التِّيهِ وَالذُّلِّ.
· تفسير سورة المائدة
كلام الشيخ
تَرْبِيَةُ الْأَجْيَالِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْخُلُقِ الصَّالِحِ هِيَ السَّبِيلُ لِتَحْقِيقِ النَّصْرِ وَفَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا حَدَثَ مَعَ جِيلِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
· قصص الأنبياء
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْعُلُوِّ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْمُسْتَحِقِّ لِلْحَمْدِ وَالْمَجْدِ وَالثَّنَاءِ.
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ.
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامُ الْأَتْقِيَاءِ.
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَجِلَّاءِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٥ - ٦].
عِبَادَ اللهِ: قَصَصُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَعْظَمُ الْقَصَصِ وَأَكْثَرُهَا وُرُودًا فِي الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ صَبَرَ كَثِيرًا عَلَى تَعَنُّتِ قَوْمِهِ وَمَعَالَجَةِ نُفُوسِهِمْ.
* قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللهُ أَخِي مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ».
* وَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ: «إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فَعَنْ هَذِهِ الْخُطْبَةِ تَعْرِضُ صَفْحَةً مِنْ صَبْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمُعَانَاتِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَإِنَّهُ بَعْدَ نَجَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، ذَكَّرَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْجِهَادِ لِفَتْحِ بِلَادِ الشَّامِ وَدُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].
فَدَعَاهُمْ مُوسَى إِلَى تَذَكُّرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ وَشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا أَنَّ اللهَ جَعَلَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءَ لِهَدَايَتِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ، قَالَ: ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ قِيلَ: أَيْ مَلَكْتُمْ أَمْرَكُمْ بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلَ لَكُمْ هِمَمًا وَحَشَمًا، تَعِيشُونَ عِيشَةَ الْمُلُوكِ.
* قَالَ: ﴿وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ أَيْ أَعْطَاكُمْ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكُمْ.
* وَبَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمْ مُوسَى بِذَلِكَمْ نَادَاهُمْ إِلَى الْجِهَادِ وَدُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ لَهُمْ: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١].
فَأَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ وَمُقَاتَلَةِ عَدُوِّهِمْ لِفَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَدُخُولِ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْإِدْبَارِ وَالنَّكُوصِ عَنِ الْجِهَادِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ خُسْرَانُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَمَاذَا كَانَ جَوَابُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢].
* وَلَاحِظُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - أَنَّهُمْ مِنْ سُوءِ أَدَبِهِمْ لَمْ يَقُولُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، بَلْ قَالُوا: يَا مُوسَى، ثُمَّ عَلَّلُوا تَنَصُّلَهُمْ بِأَنَّ فِي بِلَادِ الشَّامِ أُنَاسًا عَمَالِقَةً أَشِدَّاءَ ذَوِي بَأْسٍ، وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مُقَاتَلَتِهِمْ، وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِهِمْ؛ لِعَدَمِ تَكَافُؤِ الْقُوَّاتِ.
* وَمِنْ شِدَّةِ جُبْنِهِمْ وَخَوْفِهِمْ قَالُوا: ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
* وَمَعَ كَثْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِمُوسَى مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلَانِ فَقَطْ ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. فَهَذَانِ الرَّجُلَانِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا بِالشَّجَاعَةِ وَالْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ بَعْدَمَا قَالَا لِقَوْمِهِمَا: ائْتُوا الْعَدُوَّ فِي دَارِهِ وَهَاجِمُوهُ، فَإِنَّكُمْ بِذَلِكَ تُرْعِبُونَ أَعْدَاءَكُمْ، وَيُجَرِّدُ هُجُومُكُمْ أَرْضَهُمْ، سَيَنْصُرُكُمُ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
* لَكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ خَاوِيَةً مِنَ الْإِيمَانِ، فَكَانَ رَدُّهُمْ خَبِيثًا لِلْغَايَةِ، وَدَلِيلًا عَلَى الْجُبْنِ وَالْهَوَانِ ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
* فَانْظُرُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - إِلَى سُوءِ أَدَبِ الْيَهُودِ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَمَعَ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَقَدْ رَفَضُوا خِيَارَ الْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ وَالْجِهَادِ، وَاخْتَارُوا حَالَ الذُّلِّ وَالْجُبْنِ وَالْهَوَانِ.
* وَهَذَا هُوَ دَأْبُ مُسْلِمِي الْيَوْمِ لَمَّا سَلَكُوا مَسْلَكَ الِاسْتِسْلَامِ وَالتَّطْبِيعِ مَعَ الْيَهُودِ.
* قَارِنُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - بَيْنَ رَدِّ الْيَهُودِ وَتَخَلِّيهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَ جَوَابِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عِبَادَ اللهِ: لَمَّا اسْتَشَارَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ لَوْ خُضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، وَلَوْ بَلَغْتَ بِنَا بَرْكَ الْغِمَادِ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا أَحَدٌ.
* وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَمَّا جَمَعَ مُوسَى جَوَابَ قَوْمِهِ الْمُخْزِي، غَضِبَ عَلَيْهِمْ وَدَعَا اللهَ عَلَيْهِمْ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥].
فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَ مُوسَى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦].
أَيْ أَنَّ اللهَ عَاقَبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحِرْمَانِهِمْ مِنْ دُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمُ الْبَقَاءَ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الصَّحْرَاءِ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى فِسْقِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ.
* نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ مُوجِبَاتِ سَخَطِهِ وَأَسْبَابِ غَضَبِهِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ).
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، قَضَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْجِيلَ الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَمُوتُونَ وَيُحْرَمُونَ مِنْ دُخُولِ بِلَادِ الشَّامِ، فَنَشَأَ جِيلٌ جَدِيدٌ تَرَبَّى تَرْبِيَةً صَالِحَةً هَيَّأَتْهُ لِلْجِهَادِ وَدُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
* فَبَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اصْطَفَى اللهُ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَبِيًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَقَادَ الْجِهَادَ لِتَحْرِيرِ بِلَادِ الشَّامِ.
* رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا آخَرُ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا، فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ - يَعْنِي النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا، فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَوَضوعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا».
* وَهَكَذَا - يَا عِبَادَ اللهِ - تَحَقَّقَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بَعْدَ أَنْ امْتَثَلُوا أَمْرَ اللهِ بِالْجِهَادِ.
* فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى الْعِزَّةَ وَالنَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يُزِلْزِلَ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَأَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالشُّيُوعِيِّينَ، وَمَنْ وَالَاهُمْ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْمُنَافِقِينَ.