→ رجوع إلى القائمة
التحذير من الغيبة والنميمة (الخطبة الأولى)
الملخّص
خطبة وعظية بليغة تحذر من آفة الغيبة وبيان خطورتها وقبحها في الشرع. تستشهد الخطبة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تبين عظيم جرمها وعقوبتها الشديدة في الآخرة. كما تنبه الخطبة على خطورة الوقوع في أعراض العلماء والدعاة لما يترتب على ذلك من صد الناس عن الهدى والدين.
النقاط
- سعة علم الله تعالى وسمعه لجميع الأصوات جهرها وخفائها.
- التحذير من سوء الظن بالله تعالى وبيان عاقبته الوخيمة.
- الغيبة من كبائر الذنوب التي تساهل فيها كثير من الناس.
- بيان قبح الغيبة من خلال تشبيهها بأكل لحم الأخ ميتًا.
- الوعيد الشديد الوارد في السنة النبوية لمرتكبي الغيبة.
- عظم إثم الوقوع في أعراض العلماء والدعاة إلى الله.
- نقل كلام الحافظ ابن حجر في بيان عظيم عقوبة الغيبة وكونها من الكبائر.
الفوائد (8)
شاهد شعري
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَعْرَاضَ الرِّجَالِ وَإِنْ
رَاقَتْ بِفِيكَ فَإِنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ
لَا تَتَّخِمَنْ مِنْ لُحُومِ النَّاسِ تَأْكُلُهَا
فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ خَيْرٌ مِنَ التُّخَمِ
سياقها: التحذير من الوقوع في أعراض الناس وتشبيه الغيبة بالسم والدسم
كلام الشيخ
إن الله سبحانه وتعالى عليم بمبادئ الأمور ونهاياتها، سميع لا يخفى عليه شيء من الأصوات جهرها وخفيها، وهو متكفل بأقوات الخلائق وحاجاتهم في جميع أحوالهم.
· تقرير الشيخ في خطبته
كلام الشيخ
ظن الإنسان بأن الله لا يعلم كثيراً مما يعمل من السيئات والمعاصي هو ظن فاسد يورث الهلاك والخسران المبين في الدنيا والآخرة.
· استنباط الشيخ من الآية الكريمة
كلام الشيخ
صارت الغيبة مع الأسف الشديد فاكهة المجالس ومتعة الألسنة والأسماع في مجتمعاتنا، رغم بشاعة صورتها وقبح حقيقتها في الشرع.
· توجيه الشيخ في خطبته
كلام الشيخ
من عقوبات المغتاب الشنيعة يوم القيامة أنه يُقرب له لحم أخيه الذي اغتابه في الدنيا ميتًا، فيُجبر على أكله وهو يصرخ ويصيح.
· تقرير الشيخ للحديث الشريف
كلام الشيخ
الوقوع في أعراض الناس ورطة كبرى يصعب التخلص منها، ويعظم هذا الإثم ويشتد خطرًا عندما يتعلق بأعراض العلماء والدعاة لما فيه من تنفير الناس عن الهدى.
· توجيه الشيخ في خطبته
قول عالم
شبه الله تعالى الغيبة بأكل لحم الميت؛ لأن اللحم يستر العظم، والمغتاب لأخيه كأنه يقشر هذا الستر ويكشف عيوبه وما عليه.
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ · تفسير الآية الكريمة
قول عالم
تتعدد عقوبات الغيبة وتجتمع لتؤكد أنها من كبائر الذنوب، ومن ذلك أنها أربى الربا، ولو مزجت بماء البحر لأفسدته، وأن أهلها يعذبون في قبورهم ويأكلون الجيف في النار.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ · فتح الباري
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ، الَّذِي أَحَاطَ بِمَبَادِئِ الْأُمُورِ وَنِهَايَاتِهَا، السَّمِيعِ، الَّذِي لَا فَرْقَ فِي سَمْعِهِ، بَيْنَ جَهْرِ الْأَصْوَاتِ وَخَفَاتِهَا.
* الرَّزَّاقِ الْكَرِيمِ، الَّذِي عَمَّ نِعَمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، بِإِيصَالِ أَقْوَاتِهَا.
* الْحَيِّ الْقَيُّومِ، الَّذِي تَكَفَّلَ بِهَامِّ جَمِيعِ حَالَاتِهَا.
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ.
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي أَخْبَرَنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ثَلَاثَةُ نَفَرٍ (قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ)، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الْآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا. وَقَالَ الثَّالِثُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مَصَادِرِهِ وَعِتْرَتِهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ/ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، وَتَذَكَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَجِيدِ: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، جَعَلَنَا اللَّهُ جَمِيعًا مِمَّنِ ﴿الَّذِينَ هَدَوْا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.
عِبَادَ اللَّهِ/ حَدِيثُنَا الْيَوْمَ، مَوْعِظَةٌ وَتَحْذِيرٌ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ.
* فَالْغِيبَةُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مِنَ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَلَّ فِينَا مَنْ يَنْجُو مِنْهَا أَوْ يَثُوبُ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَمِّهَا أَبْلَغُ الْأَمْثَالِ، لِلتَّنْفِيرِ مِنْهَا، وَبَيَانِ قُبْحِهَا فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ.
* قَالَ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾.
قَالَ أَهْلُ Tَّفْسِيرِ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْغِيبَةِ، بِأَكْلِ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ سَتْرٌ عَلَى الْعَظْمِ، وَالْمُغْتَابُ لِأَخِيهِ كَأَنَّهُ يَقْشِرُ وَيَكْشِفُ مَا عَلَيْهِ.
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَعْرَاضَ الرِّجَالِ وَإِنْ :: رَاقَتْ بِفِيكَ فَإِنَّ السُّمَّ فِي الدَّسَمِ
لَا تَتَّخِمَنْ مِنْ لُحُومِ النَّاسِ تَأْكُلُهَا :: فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ خَيْرٌ مِنَ التُّخَمِ
فَيَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ/ أَلَا تَكْفِينَا هَذِهِ الصُّورَةُ الْبَشِعَةُ، مُنَفِّرَةً وَمُقَبِّحَةً لِلْغِيبَةِ، الَّتِي صَارَتْ مَعَ الْأَسَفِ فَاكِهَةَ اجْتِمَاعِنَا، وَمُتَّعَةَ أَلْسِنَتِنَا وَأَسْمَاعِنَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ/ لَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَذِّرُنَا مِنَ الْغِيبَةِ،
* فَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَكَلَ لَحْمَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا؛ قُرِّبَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: كُلْهُ مَيْتًا، كَمَا أَكَلْتَهُ حَيًّا، فَيَأْكُلُهُ، وَيَكْلَحُ وَيَصِيحُ».
* وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ، لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ» فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: «هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ».
* فَوَاللَّهِ، لَهِيَ الْوُقُوعُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَرْطَةٌ كُبْرَى، يَصْعُبُ الْخَلَاصُ مِنْهَا، وَخَاصَّةً الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ.
* فَالْإِثْمُ فِي غِيبَتِهِمْ أَعْظَمُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَنْفِيرٍ عَنِ الْهُدَى وَالدِّينِ الَّذِي يَدْعُونَ إِلَيْهِ.
* أَلَا وَإِنَّ الْأَحَادِيثَ فِي ذَمِّ الْغِيبَةِ كَثِيرَةٌ، لَا يَتَّسِعُ الْمَقَامُ لِذِكْرِهَا، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَمَا فِي الْغِيبَةِ أَعْظَمُ الْعَذَابِ، وَأَشَدُّ النَّكَالِ، فَقَدْ صَحَّ فِيهَا، أَنَّهَا أَرْبَى الرِّبَا، وَأَنَّهَا لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ وَأَنْتَنَتْ رِيحَهُ، وَأَنَّ أَهْلَهَا يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ فِي النَّارِ، وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ. وَبَعْضُ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ كَافِيَةٌ فِي كَوْنِ الْغِيبَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ؟»
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا، وَاغْسِلْ حَوْبَتَنَا، وَأَجِبْ دَعْوَتَنَا، وَاهْدِ قُلُوبَنَا، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قُلُوبِنَا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ،