→ رجوع إلى القائمة

الترغيب في الصبر وبيان فضله

الرمز: أ التاريخ: ١/٧/١٤٣٠هـ الفوائد: 10 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تتناول هذه الخطبة فضيلة الصبر والترغيب فيه كأحد أهم ركائز الإيمان وعرى التقوى الوثقى. وتبيّن الخطبة طبيعة الحياة الدنيا المجبولة على الكدر والابتلاء، وأن الصبر هو السبيل الوحيد لتجاوز شدائدها ونيل الأجر العظيم ودخول الجنة. كما تستعرض الخطبة الأحاديث النبوية الدالة على تكفير السيئات ورفع الدرجات بالابتلاء، وتضرب أروع الأمثلة في صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الفقر والأذى.

النقاط

الفوائد (10)

شاهد شعري
فَمَا صَفَا لِامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ
إِلَّا سَيَتْبَعُ يَوْمًا صَفْوَهُ كَدَرُ
سياقها: بيان طبيعة الدنيا المجبولة على المنغصات والكدر
شاهد شعري
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ
وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا
وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ
— الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ
سياقها: التحذير من الاغترار بصفو الأيام وتقلبات الدهر
كلام الشيخ
طَبَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْكَدَرِ وَعَدَمِ الصَّفَاءِ؛ لِئَلَّا يَرْكَنَ الْعِبَادُ إِلَيْهَا وَيَطْمَئِنُّوا بِهَا، فَيَنْسَوْا الْعَمَلَ لِآخِرَتِهِمْ وَدَارِ قَرَارِهِمْ.
· حكمة طبع الدنيا على الكدر
كلام الشيخ
أَعْظَمُ جَزَاءٍ يَنَالُهُ الصَّابِرُونَ عَلَى بَلَائِهِمْ هُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالِاجْتِمَاعُ فِيهَا مَعَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ فِي نَعِيمٍ مُقِيمٍ.
· الجزاء العظيم للصابرين في الآخرة
كلام الشيخ
حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ تَتَوَزَّعُ بَيْنَ مَقَامَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ: مَقَامُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَالْمَكَارِهِ، وَمَقَامُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ وَالْمَسَارِّ.
· تقسيم الإيمان إلى صبر وشكر
كلام الشيخ
الِابْتِلَاءَاتُ وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ لَيْسَتْ عُقُوبَةً بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هِيَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَرِفْعَةٌ لِدَرَجَاتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ نَقِيًّا.
· حكمة الابتلاء وتكفير الذنوب
كلام الشيخ
ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الصَّبْرِ عَلَى شَظَفِ الْعَيْشِ وَالْفَقْرِ، حَيْثُ كَانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ الْهِلَالُ تِلْوَ الْهِلَالِ وَلَا تُوقَدُ فِي بُيُوتِهِ نَارٌ.
· صبر النبي صلى الله عليه وسلم على شظف العيش
قول عالم
اعْتَبَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْيَبَ عَيْشِهِمْ إِنَّمَا نَالُوهُ وَحَصَلُوا عَلَيْهِ بِفَضْلِ الصَّبْرِ عَلَى الْمَكَارِهِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ · أثر الصبر في طيب العيش
قول عالم
كُلُّ نِعْمَةٍ يَنْتَزِعُهَا اللَّهُ مِنَ الْعَبْدِ وَيُعَوِّضُهُ مَكَانَهَا الصَّبْرَ، فَإِنَّ هَذَا الْعِوَضَ يَكُونُ خَيْرًا وَأَعْظَمَ نَفْعًا مِنَ النِّعْمَةِ الْمَفْقُودَةِ نَفْسِهَا.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ · عظم عوض الله للصابرين
قول عالم
الصَّبْرُ كَنْزٌ عَظِيمٌ وَثَمِينٌ مِنْ كُنُوزِ الْخَيْرِ الْإِلَهِيَّةِ، لَا يُوَفِّقُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَا يَهَبُهُ إِلَّا لِعَبْدٍ كَرِيمٍ ذِي مَكَانَةٍ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ · منزلة الصبر عند الله

نصّ الخطبة

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالشُّكْرِ فِي السَّرَّاءِ، وَبِالصَّبْرِ فِي الضَّرَّاءِ. نَحْمَدُهُ - سُبْحَانَهُ - وَنَشْكُرُهُ عَلَى كُلِّ نِعْمَةٍ وَعَطَاءٍ، وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى الصَّبْرِ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ الذُّنُوبِ وَالْأَخْطَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْجَزَاءِ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ/ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، أَلَا وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ مَعَ التَّقْوَى، فَتِلْكَ هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]. عِبَادَ اللَّهِ/ كُلٌّ مِنَّا مُعَرَّضٌ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِلْمَصَائِبِ وَالِابْتِلَاءَاتِ، وَالْمَكَارِهِ وَالشَّدَائِدِ وَالْمُنَغِّصَاتِ. فَمَا صَفَا لِامْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ ... إِلَّا سَيَتْبَعُ يَوْمًا صَفْوَهُ كَدَرُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا ... وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طَبَعَ الدُّنْيَا عَلَى هَذَا النَّمَطِ، فَهِيَ لَا تَصْفُو لِأَحَدٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَلَّا يَرْكَنَ النَّاسُ إِلَى دُنْيَاهُمْ، وَيَنْسَوْا آخِرَتَهُمْ. فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا وَلَأْوَائِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وَأَعْظَمُ جَزَاءٍ لِلصَّبْرِ هُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ، وَالِاجْتِمَاعُ فِيهَا مَعَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ وَسَائِرِ الْأَحْبَابِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤]. عِبَادَ اللَّهِ/ إِنَّ الْمُؤْمِنَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مُبْتَلًى بِأَنْوَاعِ الِابْتِلَاءَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ». وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ يُشَاكُهَا، أَوْ شَيْءٍ يُؤْذِيهِ، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَرَجَةً، وَيُكَفِّرُ عَنْهُ بِهَا ذُنُوبَهُ». وَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ/ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْبَلَاءِ إِلَّا الصَّبْرُ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». لِذَلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَرَّتْ بِهِمْ شَدَائِدُ وَمِحَنٌ وَفَقْرٌ وَصُعُوبَاتٌ، لَكِنَّهُمْ صَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَكَانُوا أَسْعَدَ النَّاسِ، وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ إِلَى خَيْرٍ وَعِزٍّ وَنَصْرٍ، يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ». وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَعَاضَهُ مَكَانَهَا الصَّبْرَ؛ إِلَّا كَانَ مَا عُوِّضَهُ خَيْرًا مِمَّا انْتَزَعَهُ». وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الصَّبْرُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْخَيْرِ، لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا لِعَبْدٍ كَرِيمٍ عِنْدَهُ». اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْوَعْدُ الْأَمِينُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ/ إِنَّ الْإِيمَانَ نِصْفَانِ: نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ، لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ/ لَقَدْ كَانَ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي صَبْرِهِ وَتَحَمُّلِهِ، فَلَقَدْ صَبَرَ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَتَكْذِيبِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ وَطَرْدِهِمْ لَهُ، ثُمَّ صَبَرَ عَلَى كَيْدِ الْمُنَافِقِينَ وَمَكْرِهِمْ وَمُؤَامَرَاتِهِمْ، ثُمَّ لَقَدْ صَبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشَاقِّ الْحَيَاةِ وَشَدَائِدِهَا، تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ. فَقِيلَ لَهَا: فَمَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا». وَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِعِيَالِي طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ». أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْأُسْوَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].