→ رجوع إلى القائمة
خطورة الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة
الملخّص
تبين هذه الخطبة خطورة الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة التي تضيع الحقوق وتثير الشحناء بين المسلمين. وتحذر من الأيمان الفاجرة واليمين الغموس التي تذهب البركة وتوجب غضب الله ودخول النار. كما تؤكد الخطبة على حرمة الخصومة بالباطل والإعانة عليها، مبيناً عقوبة من يدافع عن الباطل أو يفتري على المؤمنين بما ليس فيهم.
النقاط
- التحذير الشديد من الظلم وعاقبته الوخيمة ودعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب.
- بيان خطورة الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة وأثرها السيئ على المجتمع.
- التحذير من الأيمان الفاجرة واليمين الغموس التي تذهب المال وتخرب الديار.
- قصة الحضرمي والكندي وعظة النبي صلى الله عليه وسلم في شأن اليمين الكاذبة لاقتطاع الحقوق.
- الوعيد الشديد لمن يخاصم في باطل وهو يعلمه أو يعين على خصومة بباطل.
- بيان عقوبة الافتراء على المؤمنين وقول ما ليس فيهم بسكنى ردغة الخبال في النار.
الفوائد (8)
كلام الشيخ
الشكاوى الكيدية والدعاوى الباطلة من أعظم وسائل الظلم التي تثير الشحناء وتفسد ذات البين في المجتمع المسلم.
كلام الشيخ
الفصاحة وقوة الحجة في الخصومة لا تحل حراماً، وقضاء القاضي بناءً على ظاهر الكلام لا يغير من حقيقة الأمر عند الله شيئاً.
· خطورة اللحن بالحجة لاقتطاع حقوق الآخرين
كلام الشيخ
اليمين الفاجرة الكاذبة سبب في محق البركة وذهاب الأموال وخراب البيوت في الدنيا قبل الآخرة.
· شؤم اليمين الفاجرة في الدنيا
كلام الشيخ
من اقتطع أموال الناس أو حقوقهم بالأيمان الكاذبة لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان ومعرض عنه.
· عقوبة اقتطاع أموال الناس بالأيمان الكاذبة
كلام الشيخ
الخصومة في الباطل مع العلم ببطلانه توجب استمرار سخط الله عز وجل على العبد حتى يترك هذه الخصومة ويتوب منها.
· حرمة الخصومة في الباطل مع العلم به
كلام الشيخ
الإعانة على الخصومات الباطلة والدفاع عن المبطلين يوبق العبد ويجعله يبوء بغضب شديد من الله سبحانه وتعالى.
· عقوبة الإعانة على الخصومات الباطلة
كلام الشيخ
عقوبة من يفتري على المؤمنين ويقول فيهم ما ليس فيهم أن يسكنه الله في عصارة أهل النار وصديدهم حتى يتخلص من إثمه بالتوبة أو الاستحلال.
· عقوبة الافتراء وقول الزور في المؤمنين
قول عالم
سميت اليمين الكاذبة بالغموس لأنها تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا، ثم تغمسه في نار جهنم في الآخرة.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · تسمية اليمين الغموس وعقوبتها
نصّ الخطبة
الْخُطْبَةُ الْأُولَىٰ:
الحَمْدُ للهِ، الحَكَمِ العَدْلِ، ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾، سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الوَعْدِ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَاتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا شَرَارَةٌ.
عِبَادَ اللهِ: بِنَاءً عَلَى تَعْمِيمِ وِزَارَةِ الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ هَذِهِ الخُطْبَةِ عَنِ (التَّحْذِيرِ مِنَ الشَّكَاوَى الكِيدِيَّةِ وَالدَّعَاوَى البَاطِلَةِ)، لِذَلِكَ سَيَكُونُ عُنْوَانُ هَذِهِ الخُطْبَةِ: «خُطُورَةُ الشَّكَاوَى الكَاذِبَةِ وَالدَّعَاوَى البَاطِلَةِ».
فَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدَّعَاوَى البَاطِلَةِ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
هَذَا، وَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَحْلِفُ رَجُلٌ عَلَى مِثْلِ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ إِلَّا كَانَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ أَخِيهِ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اليَمِينُ الفَاجِرَةُ تُذْهِبُ المَالَ، وَتَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ».
مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ (حَضْرَمَوْتَ) وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي. فَقَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ عَنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا يَمِينُهُ». فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَلَمَّا حَلَفَ وَأَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنِ اقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ ظُلْمًا، كَانَ مِنَ اللهِ بِمَنْزِلَةٍ لَا يَنْظُرُ اللهُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِ، وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ، وَاحْذَرُوا مِنَ اليَمِينِ الكَاذِبَةِ الفَاجِرَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الكَبَائِرِ، وَأَشْنَعِ المَخَاطِرِ، خُطُورَتُهَا عَظِيمَةٌ وَعَاقِبَتُهَا وَخِيمَةٌ، فَهِيَ اليَمِينُ الغَمُوسُ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الإِثْمِ ثُمَّ تَغْمِسُهُ فِي النَّارِ، وَهِيَ شُؤْمٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَخَطَرٌ عَظِيمٌ يَنْتَظِرُهُ فِي الآخِرَةِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
***
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، العَزِيزِ الحَكِيمِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، احْذَرُوا مِنَ الخُصُومَةِ بِالبَاطِلِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ سَخَطِ اللهِ وَغَضَبِهِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ ذَلِكَ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ اللهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» وَرَدْغَةُ الخَبَالِ هِيَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ وَصَدِيدُهُمْ.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِبَاطِلٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».