→ رجوع إلى القائمة
نموذج في المسارعة إلى الخيرات
الملخّص
تتناول هذه الخطبة موضوع المسارعة إلى الطاعات والمبادرة إلى أفعال الخير، مبيّنة الخطأ في التثاقل والتأخر عن الصلوات والجماعات. واستشهد الشيخ بالآيات الدالة على الأمر بالمسابقة إلى المغفرة والجنة، واقتدى بشخصية أبا بكر الصديق رضي الله عنه كأنموذج عملي في السبق لكل طاعة. كما استعرضت الخطبة مظاهر المسارعة المتمثلة في التبكير للصلوات وإدراك تكبيرة الإحرام والتبكير لصلاة الجمعة، موضحة الأجر العظيم الثابت للمسارعين وهو دخول الجنة بغير حساب.
النقاط
- الإنكار على ظاهرة التثاقل والتأخر عن الصلوات والجمع والجماعات.
- الأمر الإلهي بالمسارعة والمسابقة إلى المغفرة والجنات.
- أبو بكر الصديق رضي الله عنه القدوة الأسمى في المسارعة إلى أفعال البر.
- شهادة الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بسبق الصديق في جميع أبواب الخير.
- بيان معنى المسارعة في الخيرات وعلامات أهلها كإدراك تكبيرة الإحرام والتبكير للجماعة.
- جزاء السابقين بالخيرات ودخولهم الجنة بغير حساب ولا عذاب.
- فضل التبكير إلى صلاة الجمعة وتحصيل أجور القربات المتفاضلة.
الفوائد (8)
كلام الشيخ
التأخر عن الصلوات والتخلف عن الجمع والجماعات ظاهرة فاشية تنم عن غفلة عن ثواب الله وزهد في الحسنات.
كلام الشيخ
دعوة القرآن الكريم جليّة إلى المسابقة والمسارعة إلى الطاعات والمغفرة ونيل الجنان قبل فوات الأوان.
كلام الشيخ
أبو بكر الصديق رضي الله عنه أصل ونموذج ملهم في المسارعة إلى الخيرات؛ حيث كملت فيه أسباب الخير ولم تتخلف عنه طاعة.
قول عالم
اجتماع الخصال الصالحة من الصيام واتباع الجنازة وإطعام المسكين وعيادة المريض في يوم واحد موجب لدخول الجنة.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
فضل الصديق رضي الله عنه وسبقه الصحابة رضوان الله عليهم في كل موطن وميدان من ميادين الطاعة والبذل.
قول عالم
أهل المسارعة في الخيرات هم الذين يبكرون إلى الصلاة، ويحرصون على إدراك تكبيرة الإحرام، ويبادرون إلى فعل كل خير.
قَالَ الْعُلَمَاءُ
قول عالم
السبق بالخيرات والمسارعة في الصالحات سبب لدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب.
قول عالم
التبكير إلى صلاة الجمعة فيه أجر عظيم يتفاضل بحسب وقت الحضور، وأعلاه من راح في الساعة الأولى بكسب أجر قربان بدنة.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .
الْحَمْدُ لِلَّهِ {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} .
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيرُ .
بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ لِلأُمَّةِ، وَتَرَكَهَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ .
* فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
فَأَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَسَارِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ .
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} .
عِبَادَ اللَّهِ! ظَاهِرَةٌ فَاشِيَةٌ، تُلاَحَظُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَهِيَ التَّأَخُّرُ عَنِ الصَّلَوَاتِ، وَالأَعْظَمُ مِنْ ذَلِك التَّخَلُّفُ عَنِ الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ .
* فَلَوْ عَمِلْنَا مُقَارَنَةً بَيْنَ نِسْبَةِ الْمُرْتَادِينَ لِلْمَسَاجِدِ، وَأَعْدَادِ السَّاكِنِينَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَاءِ وَالْقُرَى، فَمَا الدَّاعِي إِلَى ذَلِكَ؟!
* أَهُوَ الاِسْتِغْنَاءُ عَنِ الثَّوَابِ، وَالزُّهْدُ فِي الْحَسَنَاتِ؟
أَمْ هُوَ نِسْيَانُ الآخِرَةِ، وَإِيثَارُ الدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ؟
أَمْ هُوَ الضَّمَانُ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالأَمَانُ مِنْ دُخُولِ النَّارِ؟
مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ! أَيْنَ الْمُسَارَعَةُ إِلَى الْخَيْرَاتِ؟
أَيْنَ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ؟
أَلَمْ يَدْعُنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ إِلَى الْمُسَابَقَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْجَنَّاتِ؟
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} .
* وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، وَقَالَ جَلَّ وَعَلاَ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} .
عِبَادَ اللَّهِ! خُذُوا نَمُوذَجًا فِي الْمُسَابَقَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ .
أَلاَ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ لَا تَفُوتُهُ عَلَى نَفْسِهِ طَاعَةٌ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ عِبَادَةٌ، بَلْ كَانَ سَبَّاقًا بِالْخَيْرَاتِ، وَمُبَادِرًا لِلْحَسَنَاتِ .
* قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا . قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا . قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا . قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا .
* فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! حَاوَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَسْبِقَ أَبَا بَكْرٍ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ فَمَا اسْتَطَاعَ، يَقُولُ عُمَرُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَا أُسَابِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا .
* وَذَاتَ مَرَّةٍ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دُعَاءَهُ مُسْتَجَابٌ . فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُخْبِرَ ابْنَ مَسْعُودٍ بِبِشَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ بَشَّرَهُ قَبْلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَبَّاقٌ بِالْخَيْرَاتِ، مَا اسْتَبَقْنَا خَيْرًا قَطُّ إِلَّا سَبَقَنَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ .
* اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُسَابِقِينَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْمُسَارِعِينَ إِلَى الطَّاعَاتِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
* أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ .
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ .
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ .
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ بَعْثِهِ وَأَوْبَاتِهِ .
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ!
لَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى الَّذِينَ يُسَابِقُونَ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى كَسْبِ الْحَسَنَاتِ، وَوَعَدَهُمْ أَعْظَمَ الْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ .
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} .
* وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} .
* وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} .
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ أَهْلَ الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرَاتِ هُمُ الَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى إِدْرَاكِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ كُلِّ خَيْرٍ .
عِبَادَ اللَّهِ! وَمِنْ فَضَائِلِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالتَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَوَاتِ: دُخُولُ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ .
* قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «السَّابِقُونَ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» .
مَعْشَرِ الْمُؤْمِنِينَ! وَمِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ: التَّبْكِيرُ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» .