→ رجوع إلى القائمة
مِثَالُ الْأَمَانَةِ - أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الْجَرَّاحِ
الملخّص
تتناول الخطبة خلق الأمانة ومكانته العالية في الإسلام، محذرة من خطورة تضييع الأمانة والتعدي على المال العام والاستئثار بالمناصب والمسؤوليات. وتستعرض الخطبة نموذجاً خبراً ومثلاً أعلى للأمانة في تاريخ الأمة، وهو الصحابي الجليل أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، متناولةً سيرته العطرة وزهده العجيب وعظم أمانته في قيادة الجيوش وولاية الشام. كما تحذر الخطبة في ختامها من عاقبة الغلول والخيانة وشؤم ذلك في الآخرة حيث يفتضح الخائن يوم القيامة بحمل ما غله على رؤوس الأشهاد.
النقاط
- الأمانة أول ما يُفقد من الدين، وتضييعها وإسناد الأمر لغير أهله من علامات قيام الساعة.
- تَضْيِيعُ الأَمَانَةِ لَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ، أَعْظَمُهَا التَّعَدِّي عَلَى المَالِ العَامِّ وَالاِسْتِئْثَارُ بِهِ.
- أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ.
- مَوَاقِفُ مِالِدَةٌ فِي زُهْدِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَمَانَتِهِ رَغْمَ إِمَارَتِهِ عَلَى الشَّامِ وَفَتْحِهِ القُدْسَ.
- رَغْبَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي اسْتِخْلَافِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِعَظِيمِ أَمَانَتِهِ.
- عَاقِبَةُ الغُلُولِ وَالتَّعَدِّي عَلَى المَالِ العَامِّ وَالفَضِيحَةُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الفوائد (11)
شاهد شعري
عَلَيْكَ اعْتِمَادِي أَنْتَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ
قَدْ فَازَ عَبْدٌ عَلَى مَوْلَاهُ يَعْتَمِدُ
أَنْتَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ
عِنْدَ الْخُطُوبِ وَمِنْكَ الْعَوْنُ وَالْمَدَدُ
أَنْتَ الْمُعِينُ لَنَا فِي كُلِّ نَائِبَةٍ
لَا يُسْتَطَاعُ عَلَيْهَا الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ
إِذَا نَصَرْتَ ، فَمَا الْأَعْدَاءُ صَانِعَةٌ؟
وَإِنْ وَهَبْتَ ، فَمَاذَا يَصْنَعُ الْحَسَدُ؟
سياقها: الالتجاء إلى الله تعالى والاعتماد عليه وحده في النائبات والخطوب
شاهد شعري
قِفْ أَيُّهَا التَّارِيخُ سَجِّلْ صَفْحَةً
غَرَّاءَ تَنطِقُ بِالْخُلُودِ الْكَامِلِ
حَرَّكْ بَسِيرَتِهِ الْقُلُوبَ وَقَدْ قَسَتْ
وَغَدَتْ بِقَسْوَتِهَا كَصُمِّ جَنَادِلِ
سياقها: الاعتبار بسيرة أمين الأمة أبي عبيدة رضي الله عنه لتليين القلوب القاسية
كلام الشيخ
الأمانة شرط أساسي في كل من تقلد منصباً أو حمل مسؤولية أو أؤتمن على الأموال والحقوق العامة، وتضييعها من أسباب الاختلال والفساد.
كلام الشيخ
التعدي على المال العام والاستئثار به من أخطر صور تضييع الأمانة، حيث يؤدي إلى حرمان الفقراء وتداول الثروة بين كبار الموظفين والأغناء فقط.
كلام الشيخ
عظمة أمانة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه تجلت في زهد الصادقين؛ فلم تغيره الإمارة ولا فتح الفتوح وبقي معتزاً بالبساطة والكفاف.
كلام الشيخ
من خاف الله تعالى وأدى أمانته، حجرته أمانته وعفته عن تفضيل نفسه ورعايتها على حساب رعيته أو عامة المسلمين.
كلام الشيخ
من غل شيئاً من المال العام أو خان فيما أؤتمن عليه، فإنه يأتي به يوم القيامة يحمله على ظهره مكسواً بالفضيحة والعار على رؤوس الأشهاد.
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ».
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · مسند أحمد
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا ، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ».
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · صحيح مسلم
قول عالم
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا زَارَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ وَرَأَى زُهْدَهُ وَقِلَّةَ مَتَاعِهِ: «غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ».
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ · حلية الأولياء
قول عالم
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ : أَدِّ أَمَانَتَكَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا ؟ فَيُقَالُ : انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ... فَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ خَارِجٌ ، زَلَّتْ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، وَهُوَ يَهْوِي فِي أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ».
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ · مسند أحمد
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ ، الْجَلِيلِ ثَنَاؤُهُ ، الْجَزِيلِ عَطَاؤُهُ ، الْقَاهِرِ سُلْطَانُهُ ، الْبَاهِرِ إِحْسَانُهُ ، مَلِكِ الْأَمْلَاكِ ، وَمُدَبِّرِ الْأَفْلَاكِ .
عَلَيْكَ اعْتِمَادِي أَنْتَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ :: قَدْ فَازَ عَبْدٌ عَلَى مَوْلَاهُ يَعْتَمِدُ
أَنْتَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْمُسْتَغَاثُ بِهِ :: عِنْدَ الْخُطُوبِ وَمِنْكَ الْعَوْنُ وَالْمَدَدُ
أَنْتَ الْمُعِينُ لَنَا فِي كُلِّ نَائِبَةٍ :: لَا يُسْتَطَاعُ عَلَيْهَا الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ
إِذَا نَصَرْتَ ، فَمَا الْأَعْدَاءُ صَانِعَةٌ؟ :: وَإِنْ وَهَبْتَ ، فَمَاذَا يَصْنَعُ الْحَسَدُ؟
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِيمُهُ وَخَلِيلُهُ ،
صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ / أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
عِبَادَ اللَّهِ / كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ قَالَ : « لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ » .
لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلِمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُفْقَدُ مِنَ النَّاسِ مِنْ دِينِهِمُ الْأَمَانَةُ .
أَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَقَالَ : « إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » ، قَالَ : كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ : « إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » .
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / تَضْيِيعُ الْأَمَانَةِ لَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ ، أَخْطَرُهَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ أَوِ التَّعَدِّي عَلَيْهِ ، وَهَذَا الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْتِحَافِ النَّفْيِ دُولًا ، أَيْ يَسْتَأْثِرُ بِالْمَالِ الْعَامِّ أَصْحَابُ الْمَنَاصِبِ وَالْأَغْنِيَاءُ ، فَيَتَدَاوَلُونَهُ بَيْنَهُمْ وَيُحْرَمُ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ ، فَالْأَمَانَةُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - شَرْطٌ أَسَاسٌ فِي كُلِّ مَنْ تَقَلَّدَ مَنْصِبًا ، أَوْ حُمِّلَ مَسْؤُولِيَّةً ، أَوْ أُؤْتُمِنَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ الْعَامَّةِ .
مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ / لِنَأْخُذْ مِثَالًا يُحْتَذَى بِهِ فِي الْأَمَانَةِ ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، الَّذِي قَالَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا ، وَإِنَّ أَمِينَنَا أَيُّهَا الْأُمَّةُ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
لِذَلِك قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ : « أَتَمَنَّى مِلْءَ هَذَا الْبَيْتِ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ » .
لَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ دَارِ السَّلَامِ ،
هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَإِلَى الْمَدِينَةِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْغَزَوَاتِ .
وَبَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَقِيَ أَبُو عُبَيْدَةَ قَائِدًا وَمُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مُدَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَتَّى أَصْبَحَ قَائِدَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرَكَةِ (يَرْمُوكَ) ، الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا بِلَادُ الشَّامِ ، وَيَكْفِيهِ فَضْلًا وَشَرَفًا ، أَنَّهُ هَزَمَ جُيُوشَ الرُّومِ الَّتِي لَا تُحْصَى ، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى يَدَيْهِ تَحْرِيرُ الْقُدْسِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .
وَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ ، وَأَمِيرُهَا يَوْمَئِذٍ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : « اذْهَبْ بِنَا إِلَى مَنْزِلِكَ » ، قَالَ : « وَمَا تَصْنَعُ عِنْدِي ؟! مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تُعْصَرَ عَيْنَاكَ عَلَيَّ » ،
فَلَمَّا دَخَلَ عُمَرُ مَنْزِلَ أَبِي عُبَيْدَةَ لَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا ، قَالَ : « أَيْنَ مَتَاعُكَ ؟ لَا أَرَى إِلَّا لِبْدًا ، وَصَحْفَةً وَشَنًّا ، وَأَنْتَ أَمِيرٌ ؟! »
ثُمَّ قَالَ : « أَحْضِرْ لَنَا الطَّعَامَ » .
فَقَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى جَوْنَةٍ ، فَأَخَذَ مِنْهَا كُسَيْرَاتٍ ، فَبَكَى عُمَرُ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : « أَلَمْ أَقُلْ لَكَ : إِنَّكَ سَتُعْصَرُ عَيْنَاكَ عَلَيَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَكْفِيكَ مَا يُبَلِّغُكَ الْمَقِيلَ » .
قَالَ عُمَرُ : « غَيَّرَتْنَا الدُّنْيَا كُلَّنَا غَيْرَكَ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ » .
يَا لَرُفْعَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ ! مَلَكَ الشَّامَ كُلَّهَا ، فَلَمْ تُغَيِّرْهُ الدُّنْيَا ، بَلْ إِنَّ أَمَانَتَهُ حَجَرَتْهُ عَنْ تَفْضِيلِ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ .
قِفْ أَيُّهَا التَّارِيخُ سَجِّلْ صَفْحَةً :: غَرَّاءَ تَنطِقُ بِالْخُلُودِ الْكَامِلِ
حَرَّكْ بَسِيرَتِهِ الْقُلُوبَ وَقَدْ قَسَتْ :: وَغَدَتْ بِقَسْوَتِهَا كَصُمِّ جَنَادِلِ
وَلَمَّا وَقَعَ الْوَبَاءُ فِي بِلَادِ الشَّامِ ، قَالَ عُمَرُ : « إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ سَأَلَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ : لِمَ اسْتَخْلَفْتَهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْتُ : يَا رَبِّ سَمِعْتُ نَبِيَّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا ، وَأَمِينُ أُمَّتِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ » » .
كَانَ يُرِيدُ عُمَرُ أَنْ يَعْهَدَ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَضْرَبُ الْمَثَلِ فِي الْأَمَانَةِ ، لَكِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ تُوُفِّيَ بِالطَّاعُونِ ، حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْأَجَلُ وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ لِلصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَمْضَى سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ .
وَتَوَلَّى الْإِمَارَةَ بَعْدَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَخَطَبَ فَقَالَ : « أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ فُجِعْتُمْ بِرَجُلٍ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَبَرَّ صَدْرًا ، وَلَا أَنْصَحَ لِلْعَامَّةِ مِنْهُ ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ » .
فَرَحِمَ اللَّهُ أَمِينَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَرَضِيَ عَنْهُ ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ؛ إِنَّ رَبَّنَا جَوَادٌ كَرِيمٌ .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ،،
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ / مَنْ غَلَّ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ ، أَوْ خَانَ فِيمَا أُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، حَامِلًا لَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَمُثْقَلًا بِحِمْلِهِ وَثِقْلِهِ ، وَمَفْضُوحًا بِفَضِيحَتِهِ ، وَبِإِشْعَارِ خِيَانَتِهِ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ » ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ عُفْرَةُ إِبْطَيْهِ وَقَالَ : « اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : « يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ : أَدِّ أَمَانَتَكَ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ! كَيْفَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا ؟ فَيُقَالُ : انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى الْهَاوِيَةِ ، وَتُمَثَّلُ لَهُ أَمَانَتُهُ ، كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ دُفِعَتْ إِلَيْهِ ، فَيَرَاهَا فَيَعْرِفُهَا ، فَيَهْوِي فِي أَثَرِهَا ، حَتَّى يُدْرِكَهَا ، فَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ خَارِجٌ ، زَلَّتْ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، وَهُوَ يَهْوِي فِي أَثَرِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ » رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ .
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ، ، ، ،