→ رجوع إلى القائمة
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ: أَدَبُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الدُّعَاءِ وَالْمُنَاجَاةِ
الملخّص
تتناول هذه الخطبة أدب الأنبياء عليهم السلام في مناجاة ربهم ودعائه، مستعرضةً ثلاثة نماذج ملهمة: أيوب عليه السلام في صبره وأدبه في عرض بلائه، وذو النون يونس عليه السلام في تسبيحه واعترافه بذنبه في ظلمات بطن الحوت، وزكريا عليه السلام في حسن ظنه بربه ورجائه بالذرية الصالحة رغم كبر سنه وعقم زوجته. وتبين الخطبة سرعة استجابة الله تعالى لهم لكمال أدبهم وتضرعهم. كما تختم بالتذكير بفضل ما تبقى من رمضان، وحث المسلمين على أداء زكاة الفطر وأحكامها الشرعية.
النقاط
- أهمية الدعاء المستجاب وشروطه وآدابه المتمثلة في هدي الأنبياء عليهم السلام.
- أدب أيوب عليه السلام في عرض بلائه دون طلب صريح وتوسله بأرحم الراحمين.
- سرعة استجابة الله لأيوب وكشف ضره في لحظة واحدة بعد صبر طويل.
- دعاء ذي النون (يونس عليه السلام) واشتماله على التوحيد والتنزيه والاعتراف بالذنب.
- رجاء زكريا عليه السلام وحسن ظنه بربه في طلب الذرية الصالحة مع تقدم سنه وعقم زوجته.
- مشروعية زكاة الفطر في ختام رمضان، وأحكامها من حيث المقدار والوقت والمستحقين.
الفوائد (12)
شاهد شعري
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي
حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا
كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
— أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ
سياقها: بيان الاكتفاء بالثناء على الله والاعتراف بالتقصير عن صريح السؤال حياءً منه
كلام الشيخ
أكمل الناس تحقيقًا لشروط الدعاء وآدابه هم أنبياء الله ورسله الذين أمرنا الله بالاقتداء بهديهم.
كلام الشيخ
من كمال الأدب في الدعاء والعبودية الاكتفاء بعرض الحال والشكوى إلى الله تعالى حياءً منه وتعظيمًا له دون صيغة الطلب الصريح.
كلام الشيخ
التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته كصفة الرحمة من أعظم أسباب إجابة الدعاء وكشف البلاء.
كلام الشيخ
حرف الفاء والسين والتاء في قوله تعالى {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} يدل على سرعة استجابة الله تعالى لعبده وتفضله عليه بالفرج العاجل.
كلام الشيخ
كل ما ينزل بالعبد من كرب وبلاء لسنوات طويلة قادر الله سبحانه وتعالى على كشفه وإزالته في لحظة واحدة.
كلام الشيخ
اشتملت دعوة ذي النون عليه السلام على ثلاثة أركان عظيمة: توحيد الله، وتنزيهه عن كل نقص، والاعتراف بالذنب والتقصير.
كلام الشيخ
المؤمن الصادق لا ييأس ولا يقنط من رحمة الله تعالى وإن تضافرت عليه أسباب العجز البشري من كبر السن وعقم الزوجة.
كلام الشيخ
المسارعة في الخيرات ودعاء الله في حالتي الرغبة والرهبة مع خشوع القلب هي من أعظم صفات الأنبياء التي استحقوا بها الإجابة.
قول عالم
من أدب أيوب عليه السلام مع ربه أنه جعل ما حل به من البلاء العظيم كالمس الخفيف رعايةً للأدب مع الله بلسانه وقلبه.
قَالَ الْعُلَمَاءُ
قول عالم
دعاء ذي النون عليه السلام في بطن الحوت من أعظم الأدعية التي لا يدعو بها مسلم في كرب إلا استجاب الله له.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
تأخير زكاة الفطر عن صلاة العيد يخرجها عن كونها زكاة مقبولة إلى صدقة من الصدقات العامة.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَاتِ أَحْسَنَ الثَّوَابِ، وَيُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، فَهُوَ أَكْرَمُ مَنْ أَجَابَ، يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَكْشِفُ الْكَرْبَ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: ٣٠].
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، خَيْرِ آلٍ وَأَصْحَابٍ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الْمَآبِ.
أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَارْجُوا رَحْمَتَهُ وَخَافُوا عَذَابَهُ، {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦].
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: الدُّعَاءُ الْمُسْتَجَابُ، لَهُ شُرُوطٌ وَآدَابٌ!!
وَخَيْرُ مَنْ حَقَّقَهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: ٩٠].
وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ نَقِفُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مَعَ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لِدَعَوَاتِهِمْ، لِكَمَالِ أَدَبِهِمْ فِي مُنَاجَاتِهِمْ، وَصِدْقِ تَضَرُّعِهِمْ وَإِنَابَتِهِمْ.
أَوَّلُهُمْ: أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: ٨٣].
فَأَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ظَلَّ فِي بَلَائِهِ صَابِرًا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، إِذْ أَصَابَهُ الضُّرُّ فِي بَدَنِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْبَلَاءُ وَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ نَادَى رَبَّهُ هَذَا النِّدَاءَ: "رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ".
فَتَأَمَّلُوا مَعِيَ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - فِي هَذَا الدُّعَاءِ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ.
فَأَوَّلًا: لَمْ يَقُلْ: اكْشِفْ ضُرِّي، بِصِيغَةِ طَلَبٍ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِهِ بِعَرْضٍ مُوجَزٍ، حَيَاءً وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَحُسْنَ أَدَبٍ فِي الْمُنَاجَاةِ.
ثَانِيًا: أَنَّهُ قَالَ: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} وَلَمْ يَقُلْ: أَصَابَنِي.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا مِنْ بَابِ الْأَدَبِ، إِذْ جَعَلَ مَا حَلَّ بِهِ مِنَ الضُّرِّ كَالْمَسِّ الْخَفِيفِ لِرُتْبَتِهِ، فِي غَايَةِ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ.
وَالتَّوَسُّلُ الثَّانِي لَهُ، أَنَّهُ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
فَهُنَا تَوَسَّلَ إِلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَأَنَّ أَيُّوبُ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنْ كَانَ مَا نَزَلَ بِي مِنَ الضُّرِّ، وَمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الْبَلَاءِ، لَا يُزَعْزِعُ عَقِيدَتِي وَإِيمَانِي بِأَنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
لِذَلِكَ - أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ - كَانَتِ اسْتِجَابَةُ اللَّهِ لِأَيُّوبَ سَرِيعَةً عَاجِلَةً.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} فَالْفَاءُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ تَدُلُّ عَلَى السُّرْعَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْإِجَابَةِ.
{فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} أَيْ أَنَّ كُلَّ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الضُّرِّ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ كَشَفَهُ اللَّهُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا يُكْشَفُ الْغِطَاءُ عَنِ الشَّيْءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: ٨٤].
مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: النَّمُوذَجُ الثَّانِي ذُو النُّونِ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: ٨٧].
أَيْ تَذَكَّرُوا صَاحِبَ الْحُوتِ (يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ، غَاضِبًا عَلَى قَوْمِهِ، إِذْ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ، فَعَجَّلَ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ، فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يُقَدِّرَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ، حِينَ ضُيِّقَ عَلَيْهِ بِحَبْسِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ. لَكِنَّهُ تَابَ وَاعْتَرَفَ بِظُلْمِهِ وَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ (ظُلْمَةِ الْحُوتِ وَظُلْمَةِ الْبَحْرِ وَظُلْمَةِ اللَّيْلِ) قَائِلًا: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
فَهَذَا الدُّعَاءُ، فِيهِ أَوَّلًا: الِاكْتِفَاءُ بِالثَّنَاءِ عَنِ الطَّالِبِ بِالشَّيْءِ، أَوْ ذِكْرِ حَاجَتِي:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: اشْتَمَلَتْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لِرَبِّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ: (سُبْحَانَكَ) فِيهِ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فِيهِ الِاعْتِرَافُ بِالذَّنْبِ وَالظُّلْمِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَرَفْعَ الْبَلَاءِ وَالْعُقُوبَةِ.
لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ}.
فَهَذَا الدُّعَاءُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مِنْ أَبْلَغِ أَدْعِيَةِ الْكَرْبِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: ٨٨].
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ".
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
=== الخطبة الثانية ===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ نَبِيُّ اللَّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: ٨٩].
أَيْ أَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي وَحِيدًا لَا عَقِبَ لِي، وَهَبْ لِي وَارِثًا يَقُومُ بِأَمْرِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ، وَيَرِثُ مِنِّي الْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ.
هَذَا الدُّعَاءُ فِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ وَالرَّجَاءِ، وَعَدَمُ الْيَأْسِ أَوِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَزَكَرِيَّا مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَهَنَ الْعَظْمُ مِنْهُ، وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا، وَبَلَغَ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، وَمَعَ أَنَّ زَوْجَتَهُ عَاقِرٌ، وَمَعَ ذَلِكَ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وَلَمْ يَقْنَطْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يُرْزَقَهُ اللَّهُ وَارِثًا مِنْ نَسْلِهِ يَقُومُ بِالدِّينِ وَالدَّعْوَةِ مِنْ بَعْدِهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَوَسَّلَ فِي دُعَائِهِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} أَيْ أَعْلَمُ يَا رَبِّ أَنَّكَ لَنْ تُضَيِّعَ دِينَكَ، لَكِنْ لَا تَقْطَع| فَضِيلَةَ الْقِيَامِ بِأَمْرِ دِينِكَ عَنْ عَقِبِي.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}.
أَيُّهَا النَّاسُ: اقْتَدُوا بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: ٩٠]، فَاقْتَدُوا بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ.
فَاغْتَنِمُوا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مَا تَبَقَّى مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ، رَغَبًا وَرَهَبًا، وَتَوَسُّلًا وَتَقَرُّبًا.
هَذَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ - جَلَّ وَعَلَا - قَدْ شَرَعَ لَكُمْ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ أَنْ تُؤَدُّوا زَكَاةَ الْفِطْرِ، فَهِيَ فَرِيضَةٌ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
شُرِعَتْ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.
وَمِقْدَارُهَا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ صَاعٌ مِنْ قُوتِ النَّاسِ: مِنْ بُرٍّ أَوْ تَمْرٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ، وَالصَّاعُ يُعَادِلُ ثَلَاثَةَ كِيلُوجْرَامَاتٍ.
وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ".