→ رجوع إلى القائمة
أَحْدَاثُ اليَوْمِ الآخِرِ وَأَهْوَالُهُ
الملخّص
تتناول هذه الخطبة عرضًا مفصلًا لأحداث اليوم الآخر وأهواله بدءًا من قيام الساعة ونزول المطر الذي تنبت منه أجساد العباد، ثم النفخ في الصور وعودة الأرواح. كما تستعرض الخطبة مشاهد الحشر العظيم ودنو الشمس من الرؤوس، وورود الحوض المورود للنبي ﷺ، والشفاعة العظمى لفصل القضاء. وتختتم الخطبة ببيان أحوال الناس عند تطاير الصحف ونصب الموازين، والمرور على الصراط المضروب على متن جهنم، داعيةً إلى الاستعداد لهذه الأهوال بالإيمان والعمل الصالح.
النقاط
- التذكير بالموت والرحيل عن الدنيا والاعتبار بمن سبقونا.
- كيفية بعث الأجساد ونباتها بعد نزول المطر والنفخ في الصور.
- أهوال يوم الحشر ودنو الشمس من الخلائق وورود حوض النبي ﷺ.
- الشفاعة العظمى للنبي ﷺ لبدء فصل القضاء بين العباد.
- تطاير الصحف ونصب الموازين وأحوال الناس في تلك المواطن العصيبة.
- المرور على الصراط المضروب على متن جهنم وتفاوت الناس في سرعة عبوره بحسب أعمالهم في الدنيا.
الفوائد (12)
شاهد شعري
أَلَا أَيُّهَا النَّاسِي لِيَوْمِ رَحِيلِهِ
أَرَاكَ عَنِ المَوْتِ المُفَرِّقِ لَاهِيَا
وَلَا تَرْعَوِي بِالظَّاعِنِينَ إِلَى البِلَى
وَقَدْ تَرَكُوا الدُّنْيَا جَمِيعًا كَمَا هِيَا
سياقها: التنبيه على الغفلة عن الموت والاعتبار بالراحلين عن الدنيا
شاهد شعري
وَقَدْ وَضَعَ الرَّحْمَنُ فِي الخَلْقِ عَدْلَهُ
إِذَا جِئْتُ عَنْ نَفْسِي أُجَادِلُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي ذَلِكَ اليَوْمَ هَلْ أَنَا
أُغَفَّرُ أَمْ أُجْزَى بِمَا أَنَا فَاعِلُ
سياقها: الخوف من الحساب ورجاء المغفرة والعدل الإلهي
شاهد شعري
أَمَامِي مَوْقِفٌ قُدَّامَ رَبِّي
يُسَائِلُنِي وَيَنْكَشِفُ الغِطَاءُ
وَحَسْبِي أَنْ أَمُرَّ عَلَى صِرَاطٍ
كَحَدِّ السَّيْفِ أَسْفَلُهُ لَظَاءُ
سياقها: الاستعداد للمساءلة بين يدي الله والمرور على الصراط
كلام الشيخ
التفكر في أحوال الراحلين عن الدنيا ومصيرهم بعد تجريدهم من أموالهم وديارهم يوقظ القلوب من غفلتها ويحثها على الاستعداد للمصير المحتوم.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعهد أصحابه بالتذكير باليوم الآخر وأحواله في خطبه؛ لتلين القلوب القاسية، ويستيقظ الغافل فيتوب إلى الله.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
يبعث الله أجساد العباد يوم القيامة بإنزال مطر كأنه الطل تنبت منه الأجساد من عظم عجب الذنب الذي لا يبلى من الإنسان.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
الاستعداد ليوم القيامة والالتجاء إلى الله بكلمة التوحيد والتفويض هو المخرج عند تذكر هول النفخ في الصور واستعداد الملك الموكل به.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
أهوال يوم القيامة وانقلاب معالم الكون تذهب بكل مألوف وتهز النفوس هزاً عنيفاً يشغل المرء عن النظر إلى عورات الآخرين.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
يكرم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالحوض المورود في عرصات القيامة ليرتوي منه المؤمنون بعد طول الوقوف والظمأ.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
تظهر منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وفضله على سائر الأنبياء والمرسلين يوم القيامة بقبوله الشفاعة العظمى لفصل القضاء بين الخلائق بعد اعتذار أولي العزم من الرسل.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
هناك ثلاثة مواطن عصيبة يوم القيامة يذهل فيها كل إنسان عن أهله ونفسه لعظم هولها: عند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
قول عالم
الاستقامة على الصراط المستقيم في الدنيا والتحمل لمشقته ودقته يسهل على العبد المرور على الصراط الحقيقي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة.
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الحَمْدُ لِلَّهِ العَزِيزِ الغَفُورِ ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ تَصِيرُ الأُمُورُ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، شَهَادَةً تَنْفَعُ صَاحِبَهَا يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ ، يَوْمَ يُبْعَثُ مَا فِي القُبُورِ ، وَيُحَصَّلُ مَا فِي الصُّدُورِ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ؛ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ المَآلِ وَالمَصِيرِ .
أَمَّا بَعْدُ فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ ،،،
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: ٣٣].
عِبَادَ اللَّهِ / تَفَكَّرُوا فِيمَنْ رَحَلَ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مِمَّنْ عَرَفْتُمْ وَأَلِفْتُمْ ، كَيْفَ انْتُزِعُوا مِنْهَا ، وَجُرِّدُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ، فَمَا لَنَا فِي غَفْلَةٍ عَنْ مَصِيرِنَا مِنْ بَعْدِهِمْ ؟!
أَلَا أَيُّهَا النَّاسِي لِيَوْمِ رَحِيلِهِ ... أَرَاكَ عَنِ المَوْتِ المُفَرِّقِ لَاهِيَا
وَلَا تَرْعَوِي بِالظَّاعِنِينَ إِلَى البِلَى ... وَقَدْ تَرَكُوا الدُّنْيَا جَمِيعًا كَمَا هِيَا
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ / كَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ فِي خُطَبِهِ ، يُذَكِّرُ بِاليَوْمِ الآخِرِ ، لِتَلِينَ القُلُوبُ ، وَيَصْحُو الغَافِلُ وَيَتُوبَ .
وَهَا نَحْنُ اليَوْمَ ، نَتَذَكَّرُ مُلَخَّصًا سَرِيعًا لِفُصُولِ يَوْمِ القِيَامَةِ:
* فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ ، أَنْزَلَ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ ، لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ » فَيُعِيدُ اللَّهُ أَجْسَادَ العِبَادِ وَشُعُورَهُمْ وَأَبْشَارَهُمْ ، كَمَا كَانَتْ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ : ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
* ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ ، فَتَطِيرُ أَرْوَاحُ العِبَادِ ، لِتَعُودَ إِلَى تِلْكَ الأَجْسَادِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ التَقَمَ ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ » فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : « حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ » .
مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ / إِذَا عَادَتِ الأَرْوَاحُ إِلَى أَجْسَادِهَا ، شَاهَدَ النَّاسُ جَمِيعًا انْقِلَابًا كَوْنِيًّا هَائِلًا ، حِيثُ تُدَمَّرُ مَعَالِمُهُ ، وَيَنْفَرِطُ نِظَامُهُ ، فَالشَّمْسُ تُكَوَّرُ وَيَذْهَبُ ضَوْؤُهَا ، وَالقَمَرُ يُخْسَفُ وَيَتَلَاشَى نُورُهُ ، وَالكَوَاكِبُ تَنْتَثِرُ ، وَالنُّجُومُ تَنْكَدِرُ ، وَالبِحَارُ تُفَجَّرُ كُلُّهَا ، وَالجِبَالُ تُنْزَعُ مِنْ أَمَاكِنِهَا ، أَحْدَاثٌ رَهِيبَةٌ مُرَوِّعَةٌ ، تَذْهَبُ بِكُلِّ مَأْلُوفٍ ، وَتُبَدَّلُ كُلُّ مَعْهُودٍ ، وَتَهُزُّ النُّفُوسَ هَزًّا عَنِيفًا .
* ثُمَّ يُحْشَرُ النَّاسُ جَمِيعًا ، وَيُسَاقُونَ إِلَى أَرْضِ المَحْشَرِ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ، ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ ، أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ » .
* قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا » فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟ قَالَ : « يَا عَائِشَةُ ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ » .
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ / بَعْدَ حَشْرِ النَّاسِ فِي عَرَصَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ يَزْدَادُ كَرْبُهُمْ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ ، فَيَسِيلُ مِنْهُمُ العَرَقُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ ، وَيَطُولُ بِالنَّاسِ الوُقُوفُ وَالعَنَاءُ ، وَانْتِظَارُ فَصْلِ القَضَاءِ ، فَإِذَا اشْتَدَّ بِهِمُ الظَّمَأُ رُفِعَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَوْضُ المَوْرُودُ ، يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنْ نَهْرِ الكَوْثَرِ فِي الجَنَّةِ ، طُولُهُ شَهْرٌ ، وَعَرْضُهُ شَهْرٌ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ Mِسْكِ ، وَفِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا .
* فَإِذَا طَالَ بِالخَلَائِقِ الوُقُوفُ ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟
* فَيَأْتُونَ إِلَى آدَمَ ، ثُمَّ إِلَى نُوحٍ ، ثُمَّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ إِلَى مُوسَى ، ثُمَّ إِلَى عِيسَى ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَكُلُّهُمْ يَعْتَذِرُ وَيَقُولُ : إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا ، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَأْتُونَ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : أَنَا لَهَا ، قَالَ : « فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ شَيْئًا ، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ، ثُمَّ يُقَالُ لِي : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي ، وَأَقُولُ : أُمَّتِي يَا رَبِّ ، أُمَّتِي » .
* فَإِذَا شَفَعَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الفَصْلُ وَالقَضَاءُ بَيْنَ الخَلَائِقِ ، فَيَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى نُزُولًا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ ، ثُمَّ يَكُونُ العَرْضُ وَالحِسَابُ ، فَتُنْشَرُ الصُّحُفُ وَالدَّوَاوِينُ ، فَيَجِدُ كُلُّ إِنْسَانٍ مَا عَمِلَهُ فِي الدُّنْيَا حَاضِرًا مُدَوَّنًا ، ﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [النحل: ١١١].
وَقَدْ وَضَعَ الرَّحْمَنُ فِي الخَلْقِ عَدْلَهُ ... إِذَا جِئْتُ عَنْ نَفْسِي أُجَادِلُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي ذَلِكَ اليَوْمَ هَلْ أَنَا ... أُغَفَّرُ أَمْ أُجْزَى بِمَا أَنَا فَاعِلُ
* وَبَعْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ ، فَآخِذٌ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، وَآخِذٌ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ، تُنْصَبُ المَوَازِينُ ، ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
* قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا : عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ ؟ * وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ فِي يَمِينِهِ أَوْ فِي شِمَالِهِ ؟ * وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَجُوزَ » .
* اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْكَ ، وَيَسِّرْ حِسَابَنَا ، وَثَقِّلْ مَوَازِينَنَا ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
* أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ....
(الخطبة الثانية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِلُطْفِهِ تَصْلُحُ الأَعْمَالُ ، وَبِكَرَمِهِ وَجُودِهِ تُدْرَكُ الآمَالُ ، وَعَلَى وَفْقِ مَشِيئَتِهِ تَتَصَرَّفُ الأَحْوَالُ ، وَإِلَيْهِ المَصِيرُ وَالمَرْجِعُ وَالمَآلُ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ بِهُدَاهُ هَدَاهُ .
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ / بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الحِسَابِ ، وَالقَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ ، يُحْشَرُ النَّاسُ حَشْرًا ثَانِيًا إِلَى الجَنَّةِ وَالنَّارِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: ٨٥-٨٦].
* ثُمَّ يُضْرَبُ الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ ، وَتَحُلُّ الشَّفَاعَةُ ، وَيَقُولُونَ : سَلِّمْ سَلِّمْ .
* وَالصِّرَاطُ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ ، وَكَالبَرْقِ ، وَكَالرِّيحِ ، وَكَالطَّيْرِ ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ .
أَمَامِي مَوْقِفٌ قُدَّامَ رَبِّي ... يُسَائِلُنِي وَيَنْكَشِفُ الغِطَاءُ
وَحَسْبِي أَنْ أَمُرَّ عَلَى صِرَاطٍ ... كَحَدِّ السَّيْفِ أَسْفَلُهُ لَظَاءُ
* قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : « مَنْ صَبَّرَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ ، وَلَمْ يَعْرِجْ يَمْنَةً وَيَسْرَةً ، وَصَبَرَ عَلَى دِقَّةِ ذَلِكَ ؛ عُرِضَ لَهُ الصِّرَاطُ فِي الآخِرَةِ وَمَشَى وَسَعَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ عَرَجَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ فِي الدُّنْيَا ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ عَلَى جِهَادِهِ ؛ دَقَّ عَلَيْهِ الصِّرَاطُ فِي الآخِرَةِ ، فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ » .
* أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - وَاسْتَعِدُّوا لِأَهْوَالِ الآخِرَةِ ، بِالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ .