→ رجوع إلى القائمة
تِلاوَةُ القُرْآنِ وَمُدارَسَتُهُ فِي رَمَضَانَ
الملخّص
تدعو هذه الخطبة المباركة إلى استغلال شهر رمضان في تلاوة القرآن الكريم وتدبره ومدارسته، مبيّنةً فضائل هذا الكتاب العظيم وأثر التلاوة مع التدبر في صقل القلوب وطهارة النفوس. كما تحذر من الفتور والكسل عن ورد القرآن بعد حماس البدايات، وتؤكد أن الصيام وقيام الليل أُشرعا ليُعينا المسلم على فهم معاني القرآن والعمل بما فيه ليكون له شفيعًا يوم القيامة.
النقاط
- أهمية جعل القرآن الكريم الشغل الشاغل للمسلم في شهر رمضان تلاوةً وتدبرًا.
- سنة مدارسة القرآن الكريم وفضل إكثار التلاوة وعرض القرآن على المتقنين.
- بيان الفضائل الجليلة المترتبة على تلاوة القرآن وتعمير البيوت بقراءته.
- التحذير من الكسل والفتور وهجر القرآن الكريم مع الحث على الاستمرار على الورد اليومي.
- حكمة الشارع من الصيام وقيام الليل في تهيئة العبد لتدبر كلام الله تعالى.
الفوائد (9)
كلام الشيخ
تلاوة القرآن الكريم وتدبره آناء الليل وأطراف النهار هي الشغل الشاغل الذي ينبغي للمؤمن أن يشتغل به في شهر رمضان.
كلام الشيخ
المواظبة على تلاوة القرآن الكريم تعود على العبد بالرفعة والذكر الحسن والروحانية في السماء والأرض.
كلام الشيخ
قراءة المصحف والنظر فيه من أعظم دواعي تحصيل محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في قلب العبد.
كلام الشيخ
عمارة البيوت بتلاوة سورة البقرة سببٌ حاسم لطرد الشيطان منها وإحلال البركة والسكينة فيها.
كلام الشيخ
يجب على المسلم الاستمرار على ورده القرآني طوال العام وعدم الاقتصار على حماس بدايات شهر رمضان؛ تجنبًا للوقوع في هجر القرآن والغفلة.
كلام الشيخ
الصيام يزكي نفس الصائم ويهيئ ذهنه وفكره لتدبر معاني القرآن العظيم واستخراج أسراره وهداياته.
كلام الشيخ
صلاة القيام في الليل تُعين المصلي على الخشوع والتأثر بمواعظ القرآن وأمثاله وقصصه لصفاء ناشئة الليل.
كلام الشيخ
تدبر القرآن الكريم والوقوف عند معانيه هو أنفع ما يتزين به العبد لإصلاح معاشه ومعاده.
قول عالم
تُستحب مدارسة القرآن الكريم وعرضه على من هو أحفظ له في شهر رمضان، مع الإكثار من تلاوته والاستغراق فيها.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ · لطائف المعارف
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ، الْمُتَوَحِّدِ فِي الْمَجْدِ، بِكَمَالِ الْجَمَالِ، تَعْظِيمًا وَتَكْبِيرًا، الْمُنْفَرِدِ بِتَصْرِيفِ الأُمُورِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالإِجْمَالِ، تَقْدِيرًا وَتَدْبِيرًا، الْمُتَعَالِي بِعَظَمَتِهِ وَمَجْدِهِ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، تَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:- فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
عِبَادَ اللهِ/ شَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الْقُرْآنِ، أَيْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ شُغْلُهُ الشَّاغِلُ فِي رَمَضَانَ: تِلاَوَةُ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.
لِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ».
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: «دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَىٰ اسْتِحْبَابِ عَرْضِ الْقُرْآنِ عَلَىٰ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ لَهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي الإِكْثَارُ مِنْ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ».
مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ/ هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَحُثُّنَا عَلَىٰ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ دَائِمًا، وَفِي رَمَضَانَ خَاصَّةً.
فَمِنْهَا قَوْلُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَىٰ، وَتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رُوحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الأَرْضِ».
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِي الْمُصْحَفِ» أَوْ «فَلْيَقْرَأْ فِي الْمُصْحَفِ».
وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ».
وَقَالَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ».
عِبَادَ اللهِ/ بَعْضُ النَّاسِ حَمَسُوا فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ لِتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ دَبَّ إِلَيْهِمُ الْكَسَلُ وَالْفُتُورُ، فَانْقَطَعُوا عَنْ هَذَا النُّورِ، وَفَرَّطُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالأُجُورِ.
فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُ تَدَارَكْ مَا بَقِيَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ بِأَنْ يَكُونَ لَكَ وِرْدٌ وَحِزْبٌ مِنَ الْقُرْآنِ كُلَّ يَوْمٍ، ثُمَّ اسْتَمِرَّ عَلَىٰ ذَلِكَ بَعْدَ رَمَضَانَ، لِئَلاَّ تُكْتَبَ مِنَ الْغَافِلِينَ الَاهِينَ، الَّذِينَ يَكُونُ الرَّسُولُ وَالْقُرْآنُ خَصْمًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ».
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ».
اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ وَالصِّيَامَ شُفَعَاءَ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
=== الخطبة الثانية ===
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُرْآنَ نُورًا وَهُدًى وَشِفَاءً وَرَحْمَةً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكِ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، إِلَهُ الْوَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِيَّةِ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْوَعْدِ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ/ فَيَا عِبَادَ اللهِ؛
إِنَّ مِنْ حِكَمِ الصِّيَامِ أَنَّهُ يُعِينُ عَلَىٰ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ فِي الصِّيَامِ صَفَاءَ الذِّهْنِ وَالْفِكْرِ، وَطَهَارَةَ الْقَلْبِ وَالْفُؤَادِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ نَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ، وَنَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ وَأَسْرَارِهِ، وَنَكْتَسِبَ مِنْ حِلَلِهِ وَأَنْوَارِهِ.
كَذَلِكَ مِنْ حِكَمِ صَلاَةِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ أَنْ نَتَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَنَتَأَثَّرَ بِمَوَاعِظِهِ وَقَصَصِهِ وَأَمْثَالِهِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
فَاحْرِصُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- عَلَىٰ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَىٰ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.