→ رجوع إلى القائمة
آداب التعامل مع وسائل التواصل
الملخّص
تتناول هذه الخطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي في ضوء التوجيهات القرآنية الواردة في سورة الحجرات. وتبين الخطبة أن هذه المخترعات نعم من الله تستوجب الشكر والحذر من استخدامها في الشر والفساد. كما تستعرض الآداب الخمسة التي اشتملت عليها السورة لتنظيم العلاقات وحماية المجتمع من الشائعات والسخرية والتجسس والغيبة. وتختتم بالتحذير من تضييع الأوقات والانغماس في غمرات الهوى عبر الشاشات، داعية إلى الاستعداد للحساب والمسارعة إلى الخيرات.
النقاط
- نعم الله العلمية والمخترعات الحديثة تستوجب الشكر والابتلاء بها.
- سورة الحجرات منهج متكامل لتنظيم العلاقات والآداب الاجتماعية والإلكترونية.
- وجوب التثبت والتبين من الأخبار والشائعات في فضاء الإنترنت.
- التحذير من السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب بين المسلمين.
- خطورة سوء الظن، والتجسس، والغيبة في الواقع الافتراضي والحقيقي.
- تصنيف ابن القيم للأصحاب وتطبيق ذلك على التعامل مع الإنترنت كالدواء.
- التحذير من تضييع الأوقات والانغماس في الهوى والندم يوم الحساب.
الفوائد (13)
شاهد شعري
لَطِيفٌ، خَفَايَا لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ
تَرَى فِي خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ الدَّقَائِقِ
يَرَى فِي الدُّجَى مَدَّ الْبَعُوضِ جَنَاحَهُ
وَيَسْمَعُ دَقَّاتِ الْقُلُوبِ الْخَوَافِقِ
وَيَهْدِي الْقَطَا وَالنَّمْلَ وَالْوَحْشَ بِالْفَلَا
لِأَوْكَارِهَا فِي الدَّاجِيَاتِ الْغَواسِقِ
عَلِيٌّ كَبِيرٌ قَاهِرٌ مُتَكَبِّرٌ
تَعَالَى عُلُوًّا عَنْ أَرَاجِيفِ مَارِقِ
سياقها: بيان سعة علم الله تعالى ودقة لطفه بجميع مخلوقاته
شاهد شعري
يَا رَبِّ هَذَا الْعَصْرُ أَلْحَدَ عِنْدَمَا
سَخَّرْتَ يَا رَبِّي لَهُ دُنْيَاكَا
عَلَّمْتَهُ مِنْ عِلْمِكَ (النَّوَوِيِّ) مَا
عَلَّمْتَهُ فَإِذَا بِهِ عَادَاكَا
مَا كَادَ يَخْلُقُ لِلْعُلَا صَارُوخَهُ
حَتَّى أَشَاحَ بِوَجْهِهِ وَقَلَاكَا
لَوْ شِئْتَ - يَا رَبِّي - هَوَى صَارُوخُهُ
أَوْ لَوْ أَرَدْتَ لَمَا اسْتَطَاعَ حَرَاكَا
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَهْلًا وَاتَّئِدْ
وَاشْكُرْ لِرَبِّكَ فَضْلَ مَا أَوْلَاكَا
كُلُّ الْعَجَائِبِ صُنْعَةُ الْعَقْلِ الَّذِي
هُوَ صُنْعَةُ اللَّهِ الَّذِي سَوَّاكَا
وَالْعَقْلُ لَيْسَ بِمُدْرِكٍ شَيْئًا إِذَا
مَا اللَّلهُ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ الْإِدْرَاكَا
لِلَّهِ فِي الْآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلَّ
أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَهْلًا مَا الَّذِي
بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَغْرَاكَا؟
— مَحْمُود غُنَيْم
سياقها: عتاب الإنسان المقصر الذي طغى بما فتح الله عليه من العلم والمخترعات ونسي شكر المنعم سبحانه
شاهد شعري
فَاخْشَ مُنَاقَشَةَ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ
لَا بُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ
بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لَاهٍ تَلْعَبُ
سياقها: التذكير برقابة الملكين وكتابة الأعمال والحذر من الغفلة واللعب
كلام الشيخ
كل ما توصلت إليه البشرية من مخترعات ومكتشفات علمية إنما هو بتعليم الله وإلهامه للعباد تفضلاً منه وابتلاءً لهم.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
وسائل التواصل الإلكتروني والذكاء الاصطناعي من النعم العظيمة التي تيسر حياة الناس، والواجب شكرها بالحذر من استعمالها في الشر والفساد.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
الأدب مع الله ورسوله يقتضي تعظيم الوحيين واتباع شرع الله في كل الشؤون والأحوال، والحذر من تقديم الآراء والأهواء على هدي الكتاب والسنة.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
يجب على المسلم التأني والتثبت في كل ما يرد إليه من أخبار ووقائع في الفضاء الإلكتروني قبل تصديقها أو نشرها؛ حذرًا من الشائعات المغرضة.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
حرم الإسلام السخرية من الآخرين والاستهزاء بهم، أو لمزهم بذمهم في وجوههم، أو مناداتهم بالألقاب التي يكرهونها ويسوءهم سماعها.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
أوجب الشارع الحكيم صيانة غيبة المسلم في غيبته، فنهى عن سوء الظن به، وعن التجسس وتتبع عوراته وهفواته، وعن غيبته بذكر ما يكره.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
الإنترنت في حياة المسلم كالدواء، لا ينبغي الإفراط في استخدامه بل يقتصر فيه على قدر الحاجة والمصلحة.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
كلام الشيخ
طول العكوف على شاشات الهواتف وتقليب صفحات الإنترنت يورث تشتت القلب وتشربه للأهواء، وضياع الأوقات الثمينة في تتبع التوافه.
· خطبة آداب التعامل مع وسائل التواصل
قول عالم
اشتملت سورة الحجرات على إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وتنظيم علاقاتهم مع الله تعالى ومع رسوله ومع الخلق، سواء أكانوا حاضرين أم غائبين.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ · تفسير الفخر الرازي
قول عالم
الأصحاب ثلاثة أنواع: صاحب مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه، وصاحب مخالطته كالدواء يحتاج إليه عند الحاجة فقط، وصاحب مخالطته كالداء يجب تجنبه.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ · مدارج السالكين
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْجَوَادِ الْأَكْرَمِ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، نَحْمَدُهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيْنَا وَأَنْعَمَ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَهْدِيَنَا لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَأَنْ يَلْطُفَ بِنَا فِيمَا قَدَّرَ وَأَبْرَمَ.
لَطِيفٌ، خَفَايَا لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ ... تَرَى فِي خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ الدَّقَائِقِ
يَرَى فِي الدُّجَى مَدَّ الْبَعُوضِ جَنَاحَهُ ... وَيَسْمَعُ دَقَّاتِ الْقُلُوبِ الْخَوَافِقِ
وَيَهْدِي الْقَطَا وَالنَّمْلَ وَالْوَحْشَ بِالْفَلَا ... لِأَوْكَارِهَا فِي الدَّاجِيَاتِ الْغَوَاسِقِ
عَلِيٌّ كَبِيرٌ قَاهِرٌ مُتَكَبِّرٌ ... تَعَالَى عُلُوًّا عَنْ أَرَاجِيفِ مَارِقِ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ/ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7].
عِبَادَ اللَّهِ/ كُلُّ مَا تَوَصَّلَتْ إِلَيْهِ الْبَشَرِيَّةُ، مِنْ مُكْتَشَفَاتٍ عِلْمِيَّةٍ، وَمُخْتَرَعَاتٍ صِنَاعِيَّةٍ، فَهُوَ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِلْهَامِهِ، تَفَضُّلًا وَامْتِنَانًا، وَابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا.
فَاللَّهُ الَّذِي ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ مَنَافِعَ وَالْأَسْبَابَ، وَوَهَبَ لِلْبَشَرِ الْعُقُولَ وَالْأَلْبَابَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: 13].
وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذَا الزَّمَانِ: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ، وَخِدْمَةُ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، الَّتِي تُقَرِّبُ الْمَسَافَاتِ بَيْنَ الْمُتَوَاصِلِينَ، وَتُوَفِّرُ كَافَّةَ الْمَعْلُومَاتِ لِلْبَاحِثِينَ، وَتَقُومُ بِمَهَامِّ الْبَشَرِ فِي شَتَّى الْمَيَادِينَ.
وَفِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴿فَهَلْ أَنتُم شَاكِرُونَ﴾؟!
وَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ - مَعَ الْأَسَفِ - لَمْ يَشْكُرُوا هَذِهِ النِّعَمَ، بَلْ كَفَرُوهَا، وَاسْتَعْمَلُوهَا فِي الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243].
يَا رَبِّ هَذَا الْعَصْرُ أَلْحَدَ عِنْدَمَا ... سَخَّرْتَ يَا رَبِّي لَهُ دُنْيَاكَا
عَلَّمْتَهُ مِنْ عِلْمِكَ (النَّوَوِيِّ) مَا ... عَلَّمْتَهُ فَإِذَا بِهِ عَادَاكَا
مَا كَادَ يَخْلُقُ لِلْعُلَا صَارُوخَهُ ... حَتَّى أَشَاحَ بِوَجْهِهِ وَقَلَاكَا
لَوْ شِئْتَ - يَا رَبِّي - هَوَى صَارُوخُهُ ... أَوْ لَوْ أَرَدْتَ لَمَا اسْتَطَاعَ حَرَاكَا
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَهْلًا وَاتَّئِدْ ... وَاشْكُرْ لِرَبِّكَ فَضْلَ مَا أَوْلَاكَا
كُلُّ الْعَجَائِبِ صُنْعَةُ الْعَقْلِ الَّذِي ... هُوَ صُنْعَةُ اللَّهِ الَّذِي سَوَّاكَا
وَالْعَقْلُ لَيْسَ بِمُدْرِكٍ شَيْئًا إِذَا ... مَا اللَّهُ لَمْ يَكْتُبْ لَهُ الْإِدْرَاكَا
لِلَّهِ فِي الْآفَاقِ آيَاتٌ لَعَلَّ ... أَقَلَّهَا هُوَ مَا إِلَيْهِ هَدَاكَا
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَهْلًا مَا الَّذِي ... بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَغْرَاكَا؟
مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ/ أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ؛ لِتُعَلِّمَنَا الْآدَابَ وَالْأَخْلَاقَ، الَّتِي تُنَظِّمُ مَجَالَاتِ حَيَاتِنَا، وَتَرْتَقِي بِرَوَابِطِنَا وَعَلَاقَاتِنَا.
فَسُورَةُ الْحُجُرَاتِ، اشْتَمَلَتْ عَلَى خَمْسَةِ آدَابٍ وَتَوْجِيهَاتٍ، يَجِبُ عَلَيْنَا الْأَخْذُ بِهَا فِي وَاقِعِنَا الْعَادِيِّ، وَفِي عَالَمِنَا الْإِلِكْتُرُونِيِّ،
فَفِي هَذِهِ الْآدَابِ: حِمَايَةُ الدِّينِ وَالشَّعَائِرِ، وَتَهْذِيبُ الْأَلْسِنَةِ وَالْمَشَاعِرِ، وَتَقْوِيَةُ الرَّوَابِطِ وَالْأَوَاصِرِ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، فِيهَا إِرْشَادُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهِيَ إِمَّا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مَعَ غَيْرِهِمَا.
قَالَ: وَالنَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا دَاخِلُونَ فِي الطَّاعَةِ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِمَّا خَارِجُونَ عَنْهَا، وَهُمُ الْفُسَّاقُ،
وَالدَّاخِلُ فِي الطَّاعَةِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا عِنْدَهُمْ، أَوْ غَائِبًا عَنْهُمْ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ:
أَوَّلُهَا: يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
ثَانِيهَا: يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثَالِثُهَا: يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الْفُسَّاقِ.
رَابِعُهَا: يَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ الْحَاضِرِ.
خَامِسُهَا: يَتَعَلَّقُ بِالْمُؤْمِنِ الْغَائِبِ."
لِذَلِكَ ابْتُدِئَ كُلُّ أَدَبٍ مِنْهَا بِنِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فَبَدَأَتِ السُّورَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: 1-2].
فَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بَيَانُ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مَعْنَاهُ: لَا تُخَالِفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلِ اتَّبِعُوا شَرْعَ اللَّهِ، وَعَظِّمُوهُ فِي كُلِّ الشُّؤُونِ وَالْأَحْوَالِ، وَعَظِّمُوا قَدْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَأَدَّبُوا مَعَهُ، وَمَعَ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ/ أَمَّا الْأَدَبُ الثَّالِثُ فَذُكِرَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَمَرَنَا بِالتَّأَنِّي وَالتَّثَبُّتِ فِي كُلِّ مَا يَرِدُ إِلَيْنَا مِنْ أَنْبَاءِ وَوَقَائِعَ، فَنَتَأَكَّدْ مِنْ مِصْدَاقِيَّةِ مَصْدَرِهَا، وَتَارِيخِ نَشْرِهَا، قَبْلَ اعْتِقَادِهَا، فَقَدْ تَكُونُ أَخْبَارًا مُضَلِّلَةً وَشَائِعَاتٍ مُغْرِضَةً؛ فَإِنَّ فَضَاءَ الْإِنْتَرْنِتِ يَمُوجُ بِالْفُسَّاقِ وَالْمُغْرِضِينَ، وَالْأَعْدَاءِ الْمُتَرَبِّصِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ/ أَمَّا الْأَدَبُ الرَّابِعُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَاضِرِينَ، فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرُ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ: التَّحْذِيرُ مِنْ مُوَاجَهَةِ الْمُسْلِمِ بِالسُّخْرِيَّةِ مِنْهُ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِنْ لَمْزِهِ، وَالْمُرَادُ بِاللَّمْزِ ذَمُّهُ فِي وَجْهِهِ، وَسَبُّهُ وَشَتْمُهُ، وَذِكْرُ عُيُوبِهِ.
وَكَذَلِكَ فِيهِ: التَّحْذِيرُ مِنَ التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ الَّتِي تَسُوءُ أَصْحَابَهَا وَيُعَيَّرُونَ بِهَا.
أَمَّا الْأَدَبُ الْخَامِسُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْغَائِبِينَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12].
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ: نَهْيٌ عَنِ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ، وَالتُّهَمِ الْبَاطِلَةِ، وَالِافْتِرَاءَاتِ الْكَاذِبَةِ،
ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ التَّجَسُّسِ وَتَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ، وَتَلَمُّسِ الْأَخْطَاءِ وَالْهَفَوَاتِ،
ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ الْغِيبَةِ، وَهِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ الْغَائِبَ بِمَا يَكْرَهُ.
كُلُّ هَذِهِ الْآدَابِ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - يَجِبُ أَنْ نَلْتَزِمَ بِهَا فِي وَاقِعِنَا، وَفِي بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ، وَأَنْ نَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنِ اسْتِخْدَامِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي التَّزْوِيرِ وَالِافْتِرَاءِ، وَالسُّخْرِيَّةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ.
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِذِكْرِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ،
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
***
(الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ مَنِ اتَّقَاهُ، مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ وَقَاهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ/ ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْأَصْحَابَ ثَلَاثَةٌ:-
* صَاحِبٌ مُخَالِطَتُهُ كَالْغِذَاءِ، لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ.
* وَصَاحِبٌ مُخَالِطَتُهُ كَالدَّوَاءِ، لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
* وَصَاحِبٌ مُخَالِطَتُهُ كَالدَّاءِ، يَجِبُ تَجَنُّبُهُ.
وَالْإِنْتَرْنِتُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَاحِبٌ كَالدَّوَاءِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَخْدَمَ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
أَلَا، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ مَنْ يَطُولُ أَمَدُهُ مَعَ شَاشَاتِهِ، وَيُكْثِرُ عُكُوفُهُ عَلَى تَقْلِيبِ صَفَحَاتِهِ، فَقَبْلَ أَنْ يَطَّلِعَ مِنْهَا عَلَى مَا شَاءَ، وَرُبَّمَا تَشَرَّبَ قَلْبُهُ مَا يَرَى فِيهِ مِنْ أَهْوَاءَ، وَتَفْضِي بِهِ الْأَوْقَاتُ، وَهُوَ يَتَتَبَّعُ مَا يُعْرَضُ لَهُ مِنْ خِيَارَاتٍ، أَوْ مَا يَكْتُبُهُ مِنْ رَغَبَاتٍ، فَكَمْ فَقَدَ فِيهَا مِنْ غَنَائِمَ، وَكَمْ تَحَمَّلَ فِيهَا مِنْ مَآثِمَ!!
وَكَمْ تَعَلَّمَ مِنْ أَشْيَاءَ، كَانَ جَهْلُهُ بِهَا خَيْرًا مِنَ الْعِلْمِ!!
وَكَمْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأَشْيَاءَ، لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا إِلَّا الذَّمَّ، وَلَا يَنَالُ مِنْهَا إِلَّا النَّدَمَ!!
فَاخْشَ مُنَاقَشَةَ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ ... لَا بُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ ... بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لَاهٍ تَلْعَبُ
مَتَى يَفِيقُ مَنِ انْغَمَسَ فِي غَمَرَاتِ الْهَوَى وَسَكَرَاتِهِ؟!
وَمَتَى يُشَمِّرُ جَمِيعًا إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ قَبْلَ فَوَاتِهِ؟!
﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [الزمر: 56-58].
أَلَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا...