→ رجوع إلى القائمة

أحكام الطلاق وحدوده

الرمز: أ التاريخ: ١٨/١/١٤٤٨هـ الفوائد: 14 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تبين هذه الخطبة أحكام الطلاق وحدوده الشرعية التي حدها الله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ، موضحةً أن الطلاق علاج استثنائي مرٌّ لا يُلجأ إليه إلا عند استحالة العشرة وانقطاع السبل. وتحذر الخطبة من تعدي حدود الله في الطلاق كطلاق الحائض أو الطلاق في طهر جامعها فيه أو جمع الطلقات الثلاث. كما تؤكد على وجوب بقاء المطلقة الرجعية في بيت زوجها طيلة فترة العدة لما في ذلك من حكمة عظيمة تتيح فرصة المراجعة وتأليف القلوب. وتختتم بالتذكير بميثاق النكاح الغليظ وأهمية استحضار الذكريات الجميلة واللحظات السعيدة بين الزوجين لتجنب التسرع في الفراق.

النقاط

الفوائد (14)

شاهد شعري
يَا رَبِّ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
وَاجْعَلْ مَعُونَتَكَ الْحُسْنَى لَنَا مَدَدَا
وَلَا تَكِلْنَا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِنَا
فَالنَّفْسُ تَعْجِزُ عَنْ إِصْلَاحِ مَا فَسَدَا
أَنْتَ الْكَرِيمُ وَقَدْ وَجَّهْتُ مُؤْتَمِلِي
إِلَى أَيَادِيكَ وَجْهًا سَائِلًا وَيَدَا
— أبو نواس
سياقها: مطلع الخطبة في التضرع والرجاء والتوكل على الله
شاهد شعري
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ
وَأَنْكَدُ مِنْهُ صَاحِبٌ لَسْتَ عَالِمًا
بِهِ هَلْ هُوَ الْخِلُّ الْوَفِيُّ أَمِ الضِّدُّ
— المتنبي (بتصرف)
سياقها: سياق الحديث عن نكد العيش مع من تبغضه واستحالة العشرة الزوجية
شاهد شعري
أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ
وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ
إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي
وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ
سَتَعْلَمُ فِي الْحِسَابِ إِذَا الْتَقَيْنَا
غَدًا عِنْدَ الْإِلَهِ مَنِ الْمَلُومُ ؟
— أبو العتاهية
سياقها: التحذير من الظلم وتعدي حدود الله في الطلاق والخلع
شاهد شعري
فَلَا تَنْسَ أَمْسِ وَعَهْدَ الْوِدَادْ
وَعَيْنًا تُطِيفُ وَدَمْعًا يَجُودْ
أَلَا إِنَّ أَمْسِ أَسَاسُ الْوُجُودْ
— إيليا أبو ماضي
سياقها: الخطبة الثانية - تذكير الزوج بالذكريات الجميلة مع زوجته لترقيق قلبه
كلام الشيخ
الطَّلَاقُ دَوَاءٌ مُرٌّ ، وَجِرَاحَةٌ مُؤْلِمَةٌ ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ حُرْقَةٍ وَفُرْقَةٍ ، وَشَتَاتٍ وَانْفِرَاطٍ لِعَقْدِ الْأُسْرَةِ.
· الخطبة الأولى - بيان حقيقة الطلاق وأثره
كلام الشيخ
إِنَّ إِرْغَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْبَقَاءِ مَعَ الْآخَرِ ، مَعَ بُغْضِهِ لَهُ ، وَنُكْرِ حَيَاتِهِ مَعَهُ ، يَتَعَارَضُ مَعَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ.
· الخطبة الأولى - حكمة مشروعية الطلاق عند استحالة العشرة
كلام الشيخ
مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقِي مِنَ التَّسَرُّعِ فِي الطَّلَاقِ ، تَعْظِيمُ مِيثَاقِ النِّكَاحِ ، فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مِيثَاقٍ !!
· الخطبة الثانية - تعظيم ميثاق النكاح
كلام الشيخ
التَّذْكِيرُ بِتِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَاللَّحَظَاتِ السَّعِيدَةِ ، الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ؛ لَعَلَّ تَذَكُّرَهَا يُرَقِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ.
· الخطبة الثانية - التذكير بالذكريات الجميلة بين الزوجين
كلام الشيخ
لَمَّا شَرَعَ الْإِسْلَامُ الطَّلَاقَ ؛ جَعَلَ لَهُ حُدُودًا لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا ، وَمَنْ تَعَدَّى تِلْكَ الْحُدُودَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَظَلَمَ غَيْرَهُ.
· الخطبة الأولى - حدود الطلاق الشرعية
آية
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى · سورة الطلاق: ٢-٣
آية
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى · سورة البقرة: ٢٢٩
حديث
أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ · رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
حديث
أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ · رواه النسائي
قول عالم
يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْأُحْمُوقَةَ ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، يَا ابْنَ عَبَّاسٍ !! إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} ، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ ؛ فَلَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا ، عَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا · أخرجه أبو داود والنسائي في سياق الفتوى في الطلاق الثلاث

نصّ الخطبة

[الْخُطْبَةُ الْأُولَى] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الحَمْدُ للهِ ،،، الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ حَقَّ حَمْدِهِ ، وَالتَّوْفِيقُ لِلْحَمْدِ مِنْ نِعَمِهِ ، وَنَشْكُرُهُ حَقَّ شُكْرِهِ ، وَالشُّكْرُ كَفِيلٌ بِالْمَزِيدِ مِنْ كَرَمِهِ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ الذُّنُوبِ الَّتِي تُوجِبُ حُلُولَ نِقَمِهِ . يَا رَبِّ هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ... وَاجْعَلْ مَعُونَتَكَ الْحُسْنَى لَنَا مَدَدَا وَلَا تَكِلْنَا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِنَا ... فَالنَّفْسُ تَعْجِزُ عَنْ إِصْلَاحِ مَا فَسَدَا أَنْتَ الْكَرِيمُ وَقَدْ وَجَّهْتُ مُؤْتَمِلِي ... إِلَى أَيَادِيكَ وَجْهًا سَائِلًا وَيَدَا وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ / مَنْ أَرَادَ تَفْرِيجَ هَمِّهِ ، وَسَعَةَ رِزْقِهِ ، وَتَيْسِيرَ أَمْرِهِ ؛ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ فِي عَلَانِيَتِهِ وَسِرِّهِ . قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: ٢-٤]. عِبَادَ اللَّهِ / جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا . فَسَكَتَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ سَيَرُدُّهَا إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْأُحْمُوقَةَ ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، يَا ابْنَ عَبَّاسٍ !! إِنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} ، وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ ؛ فَلَا أَجِدُ لَكَ مَخْرَجًا ، عَصَيْتَ رَبَّكَ ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ . الطَّلَاقُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - دَوَاءٌ مُرٌّ ، وَجِرَاحَةٌ مُؤْلِمَةٌ ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ حُرْقَةٍ وَفُرْقَةٍ ، وَشَتَاتٍ وَانْفِرَاطٍ لِعَقْدِ الْأُسْرَةِ . فَيُفْقَدُ الْوَلَدُ التَّرْبِيَةَ فِي الْمَحْضِنِ الطَّبِيعِيِّ ، وَتُحْرَمُ الْبِنْتُ مِنْ رِعَايَةِ أَبِيهَا ، أَوْ مِنْ حَنَانِ أُمِّهَا ، وَلَكِنْ شُرِعَ الطَّلَاقُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ ، إِذَا سُدَّتِ الْأَبْوَابُ ، وَانْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ ، وَأَخْفَقَتِ الْمَسَاعِي ، وَاسْتَحَالَتِ الْعِشْرَةُ ، فَيُصْبِحُ حِينَئِذٍ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ ، وَالْحَلَّ الْمُنَاسِبَ لِلطَّرَفَيْنِ ؛ فَإِنَّ إِرْغَامَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْبَقَاءِ مَعَ الْآخَرِ ، مَعَ بُغْضِهِ لَهُ ، وَنُكْرِ حَيَاتِهِ مَعَهُ ، يَتَعَارَضُ مَعَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ . وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى ... عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ وَأَنْكَدُ مِنْهُ صَاحِبٌ لَسْتَ عَالِمًا ... بِهِ هَلْ هُوَ الْخِلُّ الْوَفِيُّ أَمِ الضِّدُّ فَكَيْفَ - إِذَنْ - بِمَنْ يُؤَاكِلُهُ ، وَيُضَاجِعُهُ ، وَيَقْتَسِمُ مَعَهُ اللُّقْمَةَ وَالشَّرْبَةَ ، وَيُظِلُّهُمَا سَقْفٌ وَاحِدٌ ، وَيُغْلَقُ عَلَيْهِمَا بَابٌ وَاحِدٌ ؟! أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / لَمَّا شَرَعَ الْإِسْلَامُ الطَّلَاقَ ؛ جَعَلَ لَهُ حُدُودًا لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا ، وَمَنْ تَعَدَّى تِلْكَ الْحُدُودَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، وَظَلَمَ غَيْرَهُ . قَالَ تَعَالَى فِي خِتَامِ الْآيَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا حُدُودُ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٢٩]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الطَّلَاقِ: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: ١]. وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ فِي طَلَاقِهِ لِامْرَأَتِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ ، وَأَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا تَعَدَّتْ حُدُودَ اللَّهِ فِي طَلَبِهَا لِلْخُلْعِ فَهِيَ ظَالِمَةٌ ، وَالظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ ... وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ... وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ سَتَعْلَمُ فِي الْحِسَابِ إِذَا الْتَقَيْنَا ... غَدًا عِنْدَ الْإِلَهِ مَنِ الْمَلُومُ ؟ مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ / مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَحُدُودِهِ ، أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا عَزَمَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ . فَإِنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ ، أَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، أَوْ طَلَّقَهَا أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ ؛ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الطَّلَاقِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: ١] وَقَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهَا» . وَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَغَضِبَ وَقَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟!» . كَذَلِكَ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مِنْ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَحُدُودِهِ: بَقَاءُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إِخْرَاجُهَا مِنْهُ ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: ١]. فَهَذَا نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ لِلزَّوْجِ عَنْ إِخْرَاجِ مُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ مِنْ بَيْتِهِ ، وَنَهْيٌ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَخْرُجَ بِاخْتِيَارِهَا . هَذَا ، وَقَدْ أَضَافَ (بُيُوتَهُنَّ) إِلَيْهِنَّ ؛ لِبَيَانِ كَمَالِ اسْتِحْقَاقِهِنَّ لِلْبَقَاءِ فِيهَا إِلَى نِهَايَةِ الْعِدَّةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} . وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا} . لَعَلَّ اجْتِمَاعَهُمَا تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقَلْبَيْنِ ، وَيَسْتَثِيرُ عَوَاطِفَ وَدَادٍ ، وَيُتِيحُ الْفُرْصَةَ لِلرَّجْعَةِ . وَقَدْ قِيلَ: وَأَبْرَحُ مَا يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ... إِذَا دَنَتِ الْخِيَامُ مِنَ الْخِيَامِ نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، وَنَفَعَنَا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ . أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ،،، [الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الحَمْدُ للهِ العَزِيزِ فِي حُكْمِهِ وَجَزَائِهِ ، الحَكِيمِ فِي شَرْعِهِ وَقَضَائِهِ . وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ . أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ / مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقِي مِنَ التَّسَرُّعِ فِي الطَّلَاقِ ، تَعْظِيمُ مِيثَاقِ النِّكَاحِ ، فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مِيثَاقٍ !! وَلِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ النِّكَاحَ بِأَنَّهُ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ !! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: ٢٠-٢١]. تَأَمَّلُوا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} !! فَهَذَا خِطَابٌ لِلْمَشَاعِرِ وَالْوِجْدَانِ ، وَتَذْكِيرٌ لِلزَّوْجِ بِكُلِّ لَحْظَةِ سَعَادَةٍ عَاشَهَا مَعَ زَوْجَتِهِ ، أَفْضَى إِلَيْهَا وَأَفْضَتْ إِلَيْهِ . تَذْكِيرٌ بِأَوْقَاتِ الصَّفَاءِ ، الَّتِي مَرَّتْ وَبَقِيَتْ ذِكْرَيَاتٍ جَمِيلَةً !! أَلَا تَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَنْ يُرَاعِيَ لَهَا حَقَّهَا ؟! لِمَاذَا لَا تَدُورُ فِي ذَاكِرَتِهِ إِلَّا مَشَاهِدُ النَّكَدِ مَعَ تِلْكَ الزَّوْجَةِ الَّتِي كَرِهَهَا ؟! مِنْ هُنَا كَانَ التَّذْكِيرُ بِتِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ الْجَمِيلَةِ ، وَاللَّحَظَاتِ السَّعِيدَةِ ، الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا ؛ لَعَلَّ تَذَكُّرَهَا يُرَقِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ ، وَأَحْسَنُ مَنْ قَالَ: فَلَا تَنْسَ أَمْسِ وَعَهْدَ الْوِدَادْ ... وَعَيْنًا تُطِيفُ وَدَمْعًا يَجُودْ أَلَا إِنَّ أَمْسِ أَسَاسُ الْوُجُودْ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ،،،