→ رجوع إلى القائمة

عِظَمُ مَنْزِلَةِ الصِّلَةِ وَبَرَكَاتُهَا

الرمز: أ التاريخ: ٢٣/١٢/١٤٤٣هـ الفوائد: 10 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تتناول الخطبة موضوع صلة الرحم كقيمة إيمانية كبرى ارتبطت ببدء الدعوة الإسلامية، مستعرضةً الأدلة الشرعية على وجوبها وعظم أجر واصلها. ويفصل الشيخ في بركات هذه الصلة التي تمتد من الدنيا -بزيادة الرزق والعمر- إلى القبر حيث تدافع عن صاحبها، وصولاً إلى يوم القيامة حيث تشهد له على الصراط. كما يسلط الضوء على الجانب التطبيقي من خلال سيرة النبي ﷺ مع أخته من الرضاعة، مؤكداً على فضل الإحسان إلى النساء من الأقارب كالأخوات والخالات.

النقاط

الفوائد (10)

شاهد شعري
مِنْ شِيَمِ الْكِرَامِ الصَّبْرُ عَلَى زَلَّاتِ الْأَقَارِبِ وَمُوَاسَاتُهُمْ رَغْمَ أَذَاهُمْ، فَمُنَاوَاةُ ذِي الْقُرْبَى ذُلٌّ وَسُوءُ صَنِيعَةٍ.
— ابن الأعرابي
سياقها: الحث على الصبر على أذى الأقارب وإصلاحهم
شاهد شعري
كُلُّ مَا يَنَالُهُ الْعِبَادُ مِنْ نَعِيمٍ فَهُوَ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ، وَمَا يَنَالُهُمْ مِنْ عِقَابٍ فَهُوَ بِمُقْتَضَى عَدْلِهِ، وَلَا يَضِيعُ عِنْدَهُ سَعْيُ عَامِلٍ.
سياقها: بيان فضل الله وعدله في عباده
كلام الشيخ
تَتَمَثَّلُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ لِلْمُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَتَدْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابَ وَتَمْنَعُ دُخُولَهُ عَلَيْهِ.
· أثر صلة الرحم في القبر
كلام الشيخ
لِلرَّحِمِ وَالْأَمَانَةِ مَوْقِفٌ مَهُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ تَقُومَانِ عَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ لِتَشْهَدَا لِلْوَاصِلِ وَعَلَى الْقَاطِعِ.
· الرحم والأمانة على الصراط
كلام الشيخ
ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْوَفَاءِ لِلرَّحِمِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، حَيْثُ أَكْرَمَ أُخْتَهُ الشَّيْمَاءَ وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُ مُعَزَّزَةً أَوْ الرُّجُوعِ لِقَوْمِهَا.
· وفاء النبي ﷺ لمرضعته وأهلها
قول عالم
قُرِنَتْ صِلَةُ الْأَرْحَامِ بِالتَّوْحِيدِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ مُنْذُ بَدَايَةِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَكَانَتِهَا فِي الدِّينِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · بيان أولويات الدعوة المحمدية
قول عالم
جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مِنْ أَوَّلِ التَّوْجِيهَاتِ الَّتِي أَلْقَاهَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مَقْدَمِهِ، لِتَكُونَ أَسَاسًا لِبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُتَرَابِطِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · أسباب دخول الجنة بسلام
قول عالم
الرَّحِمُ مُسْتَجِيرَةٌ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَطِيعَتِهَا، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهَا أَنْ يَصِلَ مَنْ وَصَلَهَا وَيَقْطَعَ مَنْ قَطَعَهَا.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · علاقة الرحم بالخالق جل وعلا
قول عالم
صِلَةُ الرَّحِمِ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ لِبَسْطِ الرِّزْقِ، وَطُولِ الْعُمْرِ، وَالْوِقَايَةِ مِنْ مِيتَةِ السُّوءِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · بركة صلة الرحم في الدنيا
قول عالم
أَنْزَلَ الشَّرْعُ الْخَالَةَ مَنْزِلَةَ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ تَعَهُّدَهَا بِالْإِحْسَانِ وَالرِّعَايَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · منزلة الخالة في الإسلام

نصّ الخطبة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي أَنْشَأَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَأَظْهَرَ فِيهِمْ عَجَائِبَ حِكْمَتِهِ، نَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- عَلَى سُبُوغِ نِعْمَتِهِ، وَنَشْكُرُهُ -تَعَالَى- عَلَى تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، سُبْحَانَ مَنْ لَمْ تَزَلْ لَهُ حُجَجٌ قَامَتْ عَلَى الْخَلْقِ بِمَعْرِفَتِهِ، قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ إِلَهٌ وَلَكِنْ عَجَزَ الْوَاصِفُونَ عَنْ صِفَتِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ إِلَى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ، بَشِيرًا بِجَنَّتِهِ، وَنَذِيرًا مِنْ عَذَابِهِ وَنِقْمَتِهِ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ/ اتَّقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَصِلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. قَالَ رَبُّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. عِبَادَ اللَّهِ/ الصِّلَةُ: عَظِيمَةُ الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ، فَقَدْ كَانَتْ بِدَايَةُ الدَّعْوَةِ إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ، مُقَارِنَةً لِلدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ مَا بُعِثَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مُخْتَفٍ، فَقُلْتُ: بِمَ أَرْسَلَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: «بِأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَتُكْسَرَ الْأَوْثَانُ، وَتُوصَلَ الْأَرْحَامُ». أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ/ وَبَعْدَ هِجْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، مَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ أَرْضَ (طَيْبَةَ)، وَاسْتَقْبَلَهُ أَهْلُهَا بِالتَّرْحِيبِ وَالْإِكْرَامِ، حَتَّى نَادَاهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، جِئْتُ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». عِبَادَ اللَّهِ/ لَا تَعْجَبُوا، أَنْ يَبْلُغَ الِاهْتِمَامُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ بِالْأَرْحَامِ وَالصِّلَةِ!! فَإِنَّ الرَّحِمَ قَدِ اسْتَجَارَتْ بِاللَّهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ أَبَانَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَهُوَ لَكِ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾» [محمد: ٢٢-٢٣]. فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- وَهَذَا الْحَدِيثُ، عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَنَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْمُوبِقَاتِ. صِلَةُ الرَّحِمِ: مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، وَمَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَسُرُورٌ فِي الْقَلْبِ، فَيَا أَيُّهَا الْوَاصِلُ: اسْتَمِرَّ فِي صِلَتِكَ وَوَاصِلْ، وَكُنْ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الزَّلَّةِ وَيَتَغَافَلُ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْأَزْدِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْفَعُ ابْنَ الْعَمِّ يَمْشِي عَلَى شَفَا .. وَإِنْ بَلَغَتْنِي مِنْ أَذَاهُ الْجَنَادِعُ وَلَكِنْ أُوَاسِيهِ وَأَنْسَى ذُنُوبَهُ .. لِتُرْجِعَهُ يَوْمًا إِلَيَّ الرَّوَاجِعُ وَحَسْبُكَ مِنْ ذُلٍّ وَسُوءِ صَنِيعَةٍ .. مُنَاوَاةُ ذِي الْقُرْبَى وَإِنْ قِيلَ قَاطِعُ مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ/ صِلَةُ الرَّحِمِ بَرَكَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْبَرْزَخِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَفِيهِ بَرَكَتُهَا فِي الدُّنْيَا، مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». وَمِنْ بَرَكَةِ صِلَةِ الرَّحِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، إِنَّهُ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ حِينَ يُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ، فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَكَانَ الصِّيَامُ عِنْدَ يَمِينِهِ، وَكَانَتِ الزَّكَاةُ عِنْدَ شِمَالِهِ، وَكَانَ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، فَيُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَتَقُولُ الصَّلَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ الصِّيَامُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى عَنْ يَسَارِهِ، فَتَقُولُ الزَّكَاةُ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ، ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، فَيَقُولُ فِعْلُ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ: مَا قِبَلِي مَدْخَلٌ». عِبَادَ اللَّهِ/ وَمِنْ بَرَكَةِ صِلَةِ الرَّحِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنَّهَا تَأْتِي شَاهِدَةً وَشَفِيعَةً لِلْوَاصِلِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَمَامَ صَاحِبِهَا، تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إِنْ كَانَ وَصَلَهَا، وَعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إِنْ كَانَ قَطَعَهَا». وَمِنْ بَرَكَتِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَصِيبِ: أَنَّهَا تُثَبِّتُ صَاحِبَهَا عِنْدَ مُرُورِهِ عَلَى الصِّرَاطِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ». اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الصِّلَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَأَعِذْنَا -اللَّهُمَّ- مِنَ الْقَطِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. === الخطبة الثانية === الْحَمْدُ لِلَّهِ، مُسْتَحِقِّ الْحَمْدِ وَأَهْلِهِ، مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ .. كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا .. فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ/ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْسِنُ إِلَى أُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَكَيْفَ لَا نُحْسِنُ إِلَى أَخَوَاتِنَا مِنَ النَّسَبِ؟! لَمَّا أَغَارَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَوَازِنَ، كَانَ فِي السَّبْيِ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ (الشَّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ)، فَقَالَتْ لَهُمْ: أَنَا أُخْتُ صَاحِبِكُمْ، بِنْتُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، مُرْضِعَةِ أَخِي مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا قَدِمُوا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، أَنَا أُخْتُكَ، وَعَرَّفَتْهُ بِعَلَامَةٍ عَرَفَهَا، فَرَحَّبَ بِهَا، وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ: «إِنَّهُ أَحْبَبْتُ فَأَقِيمِي عِنْدِي مُكَرَّمَةً مُحَبَّبَةً، وَإِنْ شِئْتِ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ أَوْصَلْتُكِ»، قَالَتْ: بَلْ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي، فَأَسْلَمَتْ، وَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ وَجَارِيَةً، وَأَجْزَلَ لَهَا فِي الْعَطَاءِ. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ/ اعْتَنُوا بِصِلَةِ قَرِيبَاتِكُمْ، كَالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ ابْنَتَانِ، فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُؤْوِيهِنَّ، وَيَكْفِيهِنَّ، وَيَرْحَمُهُنَّ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ»، قَالَ رَجُلٌ: وَاثْنَتَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ». وَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَنِ الْخَالَةِ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ».