→ رجوع إلى القائمة

قصة ذي القرنين: دروس في الأخذ بالأسباب والعدل والتمكين

الرمز: أ التاريخ: ٢٥ / ١١ / ١٤٤٣ هـ الفوائد: 8 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تتناول الخطبة قصة الملك الصالح ذي القرنين كما وردت في سورة الكهف، مستعرضةً رحلاته الثلاث إلى مغرب الشمس ومطلعها وبين السدين. وتبرز الخطبة أهمية الأخذ بالأسباب العلمية والعملية لتحقيق التمكين، مع التأكيد على قيم العدل في الحكم والتربية، وضرورة نسبة الفضل لله تعالى عند النجاح. كما تربط الخطبة بين قصة ذي القرنين وواقع الطلاب في أيام الاختبارات، حاثةً إياهم على الجد والاجتهاد واستثمار الطاقات فيما ينفع.

النقاط

الفوائد (8)

شاهد شعري
إنَّ التَّأَمُّلَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى وَبَدِيعِ صُنْعِهِ يُوصِلُ العَقْلَ إِلَى حَقِيقَةٍ رَاسِخَةٍ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ فِي هَذَا الكَوْنِ هِيَ شَاهِدٌ نَاطِقٌ بِوَحْدَانِيَّةِ الخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا.
— قَالَ الشَّاعِرُ (لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ)
سياقها: بيان أن آيات الله في الكون شاهدة على وحدانيته سبحانه وتعالى
كلام الشيخ
إِنَّ مِيزَانَ العَدْلِ الحَقِيقِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُعَاقَبَ الظَّالِمُ وَيُثَابَ المُحْسِنُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَسَاسُ تَعْلِيمِنَا وَوَظَائِفِنَا؛ بِأَنْ نَقُولَ لِلْمُحْسِنِ: أَحْسَنْتَ، وَلِلْمُسِيءِ: أَسَأْتَ، دُونَ مُحَابَاةٍ أَوْ وَسَاطَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ.
· إرساء قواعد العدل في التعامل مع المحسن والمسيء
كلام الشيخ
تَجَلَّى دَوْرُ ذِي القَرْنَيْنِ فِي بِنَاءِ السَّدِّ مِنْ خِلَالِ التَّوْجِيهِ وَتَوْزِيعِ المَهَامِّ؛ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِجَمْعِ زُبَرِ الحَدِيدِ ثُمَّ النَّفْخِ فِيهِ حَتَّى يَحْمَرَّ، ثُمَّ صَبِّ النُّحَاسِ المُذَابِ عَلَيْهِ، وَهَذَا دَرْسٌ عِظِيمٌ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الطَّاقَاتِ وَتَحْوِيلِ العَمَلِ الجَادِّ إِلَى نَتَائِجَ مُبْهِرَةٍ.
· أهمية العمل الجماعي وتوزيع الجهود في المشاريع الكبرى
كلام الشيخ
مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ القَائِدِ النَّاجِحِ وَالمُؤْمِنِ الصَّادِقِ أَنْ يَنْسِبَ الفَضْلَ لِأَهْلِهِ عِنْدَ تَمَامِ العَمَلِ، فَذُو القَرْنَيْنِ بَعْدَ بِنَاءِ السَّدِّ العَظِيمِ لَمْ يَفْخَرْ بِنَفْسِهِ، بَلْ نَسَبَ هَذَا الإِنْجَازَ لِرَحْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ، مُقِرًّا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَصِيرُهُ إِلَى الزَّوَالِ إِلَّا وَجْهَ اللهِ.
· نسبة الفضل لله تعالى عند تحقيق الإنجازات والنجاحات
كلام الشيخ
إِنَّ التَّمْكِينَ فِي الأَرْضِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَطِيَّةً لِلْعُلُوِّ وَالتَّكَبُّرِ وَالبَغْيِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً لِلإِصْلَاحِ وَنَشْرِ العَدْلِ، فَالعَاقِبَةُ الحَمِيدَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَوَاضَعُونَ لِعَظَمَةِ اللهِ.
· التحذير من الكبر والفساد في الأرض وعاقبة المتقين
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ وَالفِتْيَةِ: «أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا»، وَلَمْ يَسْتَثْنِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، فَاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ أَيَّامًا لِيَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لَهُ وَلِلأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ بِتَعْلِيقِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللهِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · بيان أهمية الاستثناء بمشيئة الله تعالى في الأمور المستقبلية
قول عالم
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَا يُرِيدُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِلْمَ هُوَ أَسَاسُ التَّمْكِينِ وَطَرِيقُ السِّيَادَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ · تفسير معنى السبب الذي أوتيه ذو القرنين
قول عالم
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ وَصْفَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي العَيْنِ الحَمِئَةِ هُوَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا فِي الأُفُقِ، كَمَا يَرَاهَا مَنْ كَانَ فِي البَحْرِ كَأَنَّهَا تَغْرُبُ فِيهِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الشَّمْسَ فِي الحَقِيقَةِ أَكْبَرُ مِنَ الأَرْضِ بِكَثِيرٍ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · توضيح معنى غروب الشمس في العين الحمئة كما يراها الناظر

نصّ الخطبة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَأَتْبَعَ سَبَبًا) ٢٥ / ١١ / ١٤٤٣ هـ الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي بِلُطْفِهِ تَنْكَشِفُ الشَّدَائِدُ، وَبِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَنْدَفِعُ كُلُّ الْمَكَائِدِ، أَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ. فَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَهُ .. أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ .. تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ وَلِلَّهِ فِي كُلِّ تَحْرِيكَةٍ .. وَتَسْكِينَةٍ أَبَدًا شَاهِدُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَهَاجَرَ فِي سَبِيلِهِ وَجَاهَدَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الْأَفَاضِلِ، وَأَصْحَابِهِ الْأَمَاجِدِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاسْتَعِينُوا بِهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِليك الْمَصِيرُ﴾. عِبَادَ اللهِ: نَتَدَبَّرُ الْيَوْمَ بِإِذْنِ اللهِ قِصَّةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، الَّتِي نَمُرُّ عَلَيْهَا كُلَّمَا تَلَوْنَا سُورَةَ الْكَهْفِ. وَلَعَلَّ تَدَبُّرَهَا الْيَوْمَ يُنَاسِبُ دُخُولَ الِامْتِحَانَاتِ الدِّرَاسِيَّةِ، الَّتِي هِيَ زَمَنُ الْحَصَادِ، وَقُطُوفُ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، فَهِيَ تَسْتَدْعِي مِنَ الطُّلَّابِ: الْحِرْصَ وَبَذْلَ الْأَسْبَابِ. فَقِصَّةُ ذِي الْقَرْنَيْنِ مَلِيئَةٌ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ وَالْجِدِّ، وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ وَالْجُهْدِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ...﴾. رَوَى ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتِ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ؛ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ، مَا كَانَ أَمْرُهُمْ؟ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ!! وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ، قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، مَا كَانَ نَبَؤُهُ؟ وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا، فَقَالَ: «أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا»، وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ. وَمَتَى جَاءَ الْغَدُ، لَمْ يَأْتِهِ جِبْرِيلُ بِالْجَوَابِ، وَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لَا يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، فَأَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الْكَهْفِ، فِيهَا الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالَيْهِمْ، وَجَاءَ جَوَابُ السُّؤَالِ الثَّالِثِ عَنِ الرُّوحِ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ أَيْ سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ مِمَّا أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ أَهَمَّ أَخْبَارِهِ، وَالَّتِي تُفِيدُ ذِكْرًا وَعِظَةً. ثُمَّ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ...﴾ أَيْ إِنَّا أَعْطَيْنَاهُ مُلْكًا عَظِيمًا مُتَمَكِّنًا، فَقَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكًا صَالِحًا مُؤْمِنًا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَقَدْ مَلَكَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ مِنَ الْأَرْضِ، وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ، وَخَضَعَتْ لَهُ مُلُوكُ الْعِبَادِ، وَخَدَمَتْهُ الْأُمَمُ، مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ قَرْنَيِ الشَّمْسِ (مَشْرِقَهَا وَمَغْرِبَهَا). ثُمَّ قَالَ اللهُ: ﴿...وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي تَفْسِيرِهَا: أَيْ آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَكَانَ عِنْدَهُ اهْتِمَامٌ بِكُلِّ الْعُلُومِ، وَهَذَا -يَا عِبَادَ اللهِ- يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ طَرِيقُ السِّيَادَةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَسَبِيلُ التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ. ثُمَّ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أَيِ اسْتَفَادَ مِنْ تِلْكَ الْعُلُومِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي آتَاهُ اللهُ وَأَتْبَعَهَا إِيَّاهَا، فَكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ يَتَوَصَّلُ إِلَى الْأَشْيَاءِ بِأَسْبَابِهَا الْمُنَاسِبَةِ لَهَا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالْبُعْدِ عَنِ التَّكَاسُلِ وَالْإِهْمَالِ. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا...﴾ هَذِهِ هِيَ رِحْلَتُهُ الْإِصْلَاحِيَّةُ الْأُولَى إِلَى أَقْصَى الْمَغْرِبِ، حَتَّى بَلَغَ سَاحِلَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ. قَوْلُهُ: ﴿...وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أَيْ هَذَا وَصْفُ الشَّمْسِ فِيمَا يَرَى النَّاظِرُ كَأَنَّهَا تَغْرُبُ فِي الْبَحْرِ، وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ، فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّمْسَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَرْضِ بِكَثِيرٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿...قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ نَصَرَهُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَمَكَّنَهُ حَتَّى صَارَ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ، فَكَأَنَّهُ خُيِّرَ أَنْ يُعَذِّبَ وَيَبْطِشَ، أَوْ يَعْفُوَ وَيُحْسِنَ. وَلِأَنَّهُ كَانَ مَلِكًا مُؤْمِنًا صَالِحًا اخْتَارَ الْعَدْلَ: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. فَهَذَا هُوَ مِيزَانُ الْعَدْلِ، أَنْ يُعَاقَبَ الظَّالِمُ، وَيُثَابَ الْمُحْسِنُ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَسَاسُ تَعْلِيمِنَا وَوَظَائِفِنَا، أَنْ نَقُولَ لِلْمُحْسِنِ: أَحْسَنْتَ، وَلِلْمُسِيءِ: أَسَأْتَ، وَأَنْ تَكُونَ الْمُفَاضَلَةُ حَسَبَ اجْتِهَادِ الشَّخْصِ وَمُؤَهِّلَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَحَكَّمَ فِي ذَلِكَ الْوَسَاطَةُ أَوِ الرِّشْوَةُ أَوِ الْغِشُّ. مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَبَعْدَ أَنْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا الْأَثَرَ الطَّيِّبَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ وَجُهُودَهُ فِي أَقْصَى الْمَغْرِبِ، أَخْبَرَنَا عَنِ امْتِدَادِ خَيْرِهِ وَوُصُولِ نَفْعِهِ إِلَى أَقْصَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ أَيْ أَنَّهُ وَاصَلَ مَسِيرَةَ إِصْلَاحِهِ، فَسَلَكَ طَرِيقَهُ حَتَّى بَلَغَ أَقْصَى الْمَشْرِقِ، لِيَجِدَ هُنَاكَ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ سِتْرٌ مِنْ دُونِ الشَّمْسِ، قِيلَ: لِمُرَادِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ سُهُولًا وَاسِعَةً لَا جِبَالَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ، وَقِيلَ: كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ بُيُوتًا تَمْنَعُ عَنْهُمْ أَشِعَّةَ الشَّمْسِ وَحَرَّهَا. ثُمَّ قَالَ اللهُ: ﴿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أَيْ أَنَّ دُسْتُورَهُ فِي مَشْرِقِ الْأَرْضِ كَدُسْتُورِهِ فِي مَغْرِبِهَا، أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِمْ بِالْعَدْلِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ أَيْ هُوَ يَعْلَمُ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، خَالِقُهُ يَعْلَمُ بِنِيَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الصَّالِحَةِ، وَأَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ، فَكَتَبَ لَهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، وَدَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ وَخَضَعَ لَهُ الْبَشَرُ. وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ اللهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنِ اهْتَمَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرَائِرَنَا خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِنَا، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ. === الخطبة الثانية === الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللهِ: نُوَاصِلُ التَّطْوَافَ مَعَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ مِنْ أَصْقَاعِ الْأَرْضِ، مُقِيمًا لِلْعَدْلِ، وَمُقَاوِمًا لِلظُّلْمِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أَيْ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَاصَلَ مَسِيرَتَهُ الْإِصْلَاحِيَّةَ حَتَّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَهُمَا مَضِيقٌ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَهُمْ لُغَةٌ خَاصَّةٌ يَصْعُبُ عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ وَمَنْ مَعَهُ مَعْرِفَتُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدِ اجْتَهَدَ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ لُغَتِهِمْ وَمُخَاطَبَتِهِمْ، فَإِذَا هُمْ قَوْمٌ مُسْتَضْعَفُونَ، يَشْتَكُونَ إِلَيْهِ مِنْ طُغْيَانِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. فَاشْتَكَوْا مِنْ إِيذَاءِ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ وَإِفْسَادِهِمْ، وَعَرَضُوا عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنْ يُعْطُوهُ مَالًا عَظِيمًا، لِيَكُفَّ عَنْهُمْ شَرَّ أُولَئِكَ، لَكِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ عَفَّ عَنْ أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. تَمَثَّلَ دَوْرُ ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي التَّوْجِيهِ وَتَوْزِيعِ الْمَهَامِّ وَتَوْحِيدِ الْجُهُودِ، وَقَامُوا هُمْ بِالْعَمَلِ وَالتَّنْفِيذِ. فَأَمَرَهُمْ -أَوَّلًا- أَنْ يَجْمَعُوا قِطَعَ الْحَدِيدِ الضَّخْمَةَ، وَيَضَعُوهَا فِي الْمَضِيقِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَمَا زَالُوا بِهَا حَتَّى سَاوَوْهَا بِالصَّدَفَيْنِ، وَهُمَا قِمَّتَا الْجَبَلَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِيقَادِ النَّارِ عَلَى قِطَعِ الْحَدِيدِ، وَتَصَوَّرُوا ضَخَامَةَ النَّارِ وَعَظَمَةَ الْأَخْشَابِ الَّتِي جُمِعَتْ لِإِيقَادِ النَّارِ وَصَهْرِ أَطْنَانِ الْحَدِيدِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَمَرَ مَجْمُوعَةً أُخْرَى بِصَهْرِ الْقِطْرِ، وَهُوَ النُّحَاسُ فِي قُدُورٍ ضَخْمَةٍ حَتَّى يَذُوبَ، ثُمَّ أَمَرَ بِصَبِّهِ عَلَى الْحَدِيدِ الْمُنْصَهِرِ؛ لِيَتَكَوَّنَ مِنْهُمَا مَعْدِنٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ، وَصَارَ بِأَمْرِ اللهِ سَدًّا مَنِيعًا عَجِيبًا. فَتَصَوَّرُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَمْ مِنْ مَجْهُودٍ بُذِلَ وَطَاقَاتٍ اسْتُثْمِرَتْ فِي هَذَا الْعَمَلِ الْعَظِيمِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُعَطَّلَةً مُهْمَلَةً!! وَفِي هَذَا دَرْسٌ عَظِيمٌ لَنَا وَلِشَبَابِنَا، الَّذِينَ أُهْدِرَتْ أَوْقَاتُهُمْ، وَعُطِّلَتْ طَاقَاتُهُمْ، أَنَّ لَذَّةَ النَّجَاحِ الْحَقِيقِيِّ فِي تَعْوِيدِ شَبَابِنَا عَلَى الْعَمَلِ الْجَادِّ، وَالصَّبْرِ وَالِاجْتِهَادِ، فَهَذَا هُوَ خَيْرُ ذَخِيرَةٍ وَعَتَادٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أَيْ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ جَاءُوا عَلَى عَادَتِهِمْ لِيَعْبُرُوا وَيُصِيبُوا وَيُمَارِسُوا الْإِفْسَادَ، وَلَكِنَّهُمْ فُوجِئُوا بِالسَّدِّ الْمَنِيعِ، حَاوَلُوا أَنْ يَتَسَلَّقُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا، ثُمَّ حَاوَلُوا نَقْبَهُ فَكَانُوا أَعْجَزَ، لِأَنَّهُ أَصْلَبُ وَأَحْكَمُ. وَفِي خِتَامِ هَذَا الْإِنْجَازِ الْهَائِلِ وَالنَّجَاحِ الْبَاهِرِ نَنْظُرُ إِلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ إِلَى هَذَا الْعَمَلِ نَظْرَةَ تَوَاضُعٍ لِلَّهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْبَطَرُ وَالْغُرُورُ، وَلَمْ يَنْسِبْ هَذَا النَّجَاحَ لِنَفْسِهِ، بَلْ نَسَبَهُ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ: ﴿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ فَنَسَبَ النِّعْمَةَ إِلَى اللهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِ ذِي الْقَرْنَيْنِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَهَذَا الَّذِي حَيَّرَ عَنْهُ النُّظُمَ وَالْفَهْمَ وَالتَّدَبُّرَ، وَعَنِ الْإِفْسَادِ وَالْبَغْيِ وَالتَّكَبُّرِ. وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. سُورَةُ الْقَصَصِ. (٨٣) .