→ رجوع إلى القائمة
قصة طالوت وجالوت ودروس في جهاد النفس في رمضان
الملخّص
تناولت الخطبة قصة بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام واختيار طالوت ملكاً عليهم وما واجه ذلك من اعتراضات حتى ظهرت آية الله في التابوت. ثم تطرقت إلى ابتلاء الجيش بالنهر وتمحيص الصفوف وثبات القلة المؤمنة الداعية بالصبر والنصر حتى هزموا جالوت وجنوده على يد داود عليه السلام. واستنبط الخطيب من القصة درسًا إيمانيًا عظيماً في وجوب جهاد النفس والهوى، مؤكداً أن رمضان هو الفرصة الذهبية لفطام الجوارح والانتصار على الشهوات.
النقاط
- تأمل قصة طالوت وجالوت وما فيها من العبر في القيادة والصبر والتمحيص.
- اصطفاء الله لِطالوت لِمَا آتاه الله من بسطة في العلم والجسم لا بالمال والنسب.
- ابتلاء جيش طالوت بالنهر لتمييز الصادق المخلص من الضعيف الخائر.
- انتصار القلة المؤمنة الصابرة بالدعاء والتوكل على الكثرة الكافرة.
- شرف قتال داود عليه السلام وقتله لجالوت وآتيه الله الملك والحكمة.
- ربط القصة بجهاد النفس والشيطان وأهمية ذلك في الاستقامة والثبات.
- اعتبار شهر رمضان الميدان الأعظم لجهاد النفس وفطام الجوارح عن المحرمات.
الفوائد (9)
شاهد شعري
نَسِيرُ إِلَى الْآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ
وَأَعْمَارُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلَائِلُ
سياقها: التذكير بقرب الأجل وحث المسلم على التزود بالتقوى
كلام الشيخ
الابتلاء والاختبار بالفتن والشهوات يُمَحِّصُ الصَّادِقِينَ وَيَكْشِفُ أَهْلَ الضَّعْفِ وَالْخَوَرِ قَبْلَ خَوْضِ الْمَعَارِكِ الْفَاصِلَةِ.
كلام الشيخ
النَّصْرُ فِي الْمَعَارِكِ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْكَثْرَةِ الْعَدَدِيَّةِ، بَلْ بِيَقِينِ الْقُلُوبِ وَالصَّبْرِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ.
كلام الشيخ
النَّهَرُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ جُنُودُ طَالُوتَ هُوَ مَثَلٌ لِلدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، فَمَنِ انْغَمَسَ فِيهَا صَعُبَ عَلَيْهِ الثَّبَاتُ فِي مَيَادِينِ الطَّاعَةِ وَالْجِهَادِ.
كلام الشيخ
شَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ مَيْدَانٌ عَمَلِيٌّ لِجِهَادِ النَّفْسِ وَفِطَامِهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَتَعْوِيدِ الْجَوَارِحِ عَلَى الطَّاعَةِ.
كلام الشيخ
الْمَقْصُودُ الأَعْظَمُ مِنَ الصِّيَامِ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، لِيَتَحَقَّقَ لِلْعَبْدِ الِانْتِصَارُ عَلَى الْهَوَى وَمَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ.
قول عالم
الاصطفاء والقيادة يكونان بالفضل في العلم والقدرة والتدبير، لا بمجرد الحسب والنسب والمال.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · تفسير القرآن العظيم
قول عالم
خَرَجَ مَعَ طَالُوتَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، فَلَمْ يَصْفُ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلاَّ ثَلاَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ · الجامع لأحكام القرآن
قول عالم
جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ؛ فَمَنْ لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ لِيَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَيَتْرُكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، لاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَاهِدَ عَدُوَّهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ · روضة المحبين ونزهة المشتاقين
نصّ الخطبة
الْحَمْدُ لِلَّهِ،
اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ.
لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
نَحْمَدُكَ اللَّهُمَّ وَنَشْكُرُكَ، وَنَتُوبُ إِلَيْكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ.
مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 223].
نَسِيرُ إِلَى الْآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأَعْمَارُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
تَرَحَّلْ مِنَ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلَائِلُ
عِبَادَ اللَّهِ، نَتَدَبَّرُ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ قِصَّةً مِنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَرَتْ أَحْدَاثُهَا بَعْدَ وَفَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَيْثُ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ وَوُجَهَاؤُهُمْ لِطَلَبِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ مَلِكًا يُوَحِّدُ أَمْرَهُمْ، وَيَجْتَمِعُونَ تَحْتَ لِوَائِهِ لِمُقَاتَلَةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، الَّذِينَ اضْطَهَدُوهُمْ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَسَبْيِ أَبْنَائِهِمْ، وَسَلْبِ التَّابُوتِ الَّذِي فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ.
فَكَانَ نَبِيُّهُمْ فَهُوَ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى طَلَبِهِمْ، لِعِلْمِهِ بِرَخَاوَتِهِمْ وَضَعْفِ عَزِيمَتِهِمْ، قَالَ لَهُمْ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾.
فَأَعْطَوْهُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾.
وَدَعَا ذَلِكَ النَّبِيُّ رَبَّهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ طَالُوتَ هُوَ مَلِكُهُمْ، وَكَانَ طَالُوتُ مِنْ عَامَّتِهِمْ لَا يَنْتَمِي إِلَى سِبْطِ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَارَضُوا هَذَا الِاخْتِيَارَ، وَقَالُوا: طَالُوتُ لَيْسَ مِنْ عَائِلَةِ مُلُوكٍ، وَهُوَ فَقِيرٌ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ مَالٍ، فَقَالُوا: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾!!
قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
فَكَانَ طَالُوتُ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِزِيَادَةٍ فِي الْعِلْمِ، وَطُولٍ فِي الْقَامَةِ، وَقُوَّةٍ فِي الْجَسَدِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247].
وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَمَرَّتْ مُعَارَضَتُهُمْ حَتَّى جَاءَتْهُمْ آيَةٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى اخْتِيَارِ اللَّهِ لِطَالُوتَ، وَهِيَ أَنَّ التَّابُوتَ الَّذِي فِيهِ سَكِينَةٌ مِنَ اللَّهِ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ سَتَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ وَتُعِيدُهُ إِلَيْهِمْ.
عِنْدَ ذَلِكَ أَذْعَنُوا وَقَبِلُوا بِطَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وَانْضَمُّوا إِلَى جَيْشِهِ لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ،
وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ لِلْمَعْرَكَةِ الْفَاصِلَةِ، كَانَ حَكِيمًا يُدْرِكُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ غَيْرُ جَادِّينَ، وَأَنَّ انْدِفَاعَهُمْ مُجَرَّدُ فَوْرَةٍ عَارِضَةٍ سَرْعَانَ مَا تَزُولُ، لِذَلِكَ لَمَّا فَصَلَ بِهِمْ وَغَادَرُوا الدِّيَارَ قَالَ لَهُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾، لِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَأَعْلَنَ طَالُوتُ بَرَاءَتَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ بِصُحْبَةِ الْجَيْشِ فِي الْقِتَالِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً وَاحِدَةً.
فَشَرِبَ الْغَالِبِيَّةُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ رَاغِبِينَ فِي الْقِتَالِ، فَأَمَرَهُمْ طَالُوتُ بِالرُّجُوعِ إِلَى دِيَارِهِمْ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَهُ لَخَذَلُوا الْجَيْشَ وَكَانُوا سَبَبًا فِي الْهَزِيمَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47].
ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ طَالُوتَ كَانُوا ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَصْفُ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ.
فَنَزَلَ طَالُوتُ بِالْقِلَّةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْمُطِيعَةِ حَتَّى وَصَلُوا أَرْضَ الْمَعْرَكَةِ وَشَاهَدُوا الْكَثْرَةَ الْكَاَفِرَةَ مِنْ جَيْشِ جَالُوتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
ثُمَّ إِنَّهُمْ دَعَوُا اللَّهَ بِصِدْقٍ وَتَضَرُّعٍ أَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُمْ، فَهَزَمُوا أَعْدَاءَهُمْ، وَبَرَزَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَتَلَ جَالُوتَ بِنَفْسِهِ، لِشَجَاعَتِهِ وَصَبْرِهِ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ السَّلْطَنَةَ وَالنُّبُوَّةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: 251].
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِذِكْرِ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْهَدْيِ الْقَدِيمِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ.
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ أَكْمَلِ الْحَمْدِ وَأَوْفَاهُ، نَحْمَدُهِ وَنَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَهُدَاهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا نَرْجُو سِوَاهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَهَمَّ دَرْسٍ نَسْتَفِيدُهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى مُجَاهَدَةِ الْأَعْدَاءِ إِلَّا مَنْ قَوِيَ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ.
فَالنَّهَرُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ جُنُودُ طَالُوتَ هُوَ مَثَلٌ لِلدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ!!
فَالَّذِينَ انْغَمَسُوا فِي نَهَرِ الشَّهَوَاتِ وَالْمَهَالِكِ لَا تَثْبُتُ أَقْدَامُهُمْ فِي أَرْضِ الْمَعْرَكَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / إِنَّ أَعْظَمَ الْمَعَارِكِ جِهَادُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ».
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ؛ فَمَنْ لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ لِيَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَيَتْرُكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَاهِدَ عَدُوَّهُ».
مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ / إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِنُجَاهِدَ أَنْفُسَنَا، وَنُخَلِّصَهَا مِنْ نَهَرِ الشَّهَوَاتِ، الَّذِي طَالَمَا مُنِغَصَةً فِيهِ أَحْمَالُ عَشْرٍ.
آنَ لَنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ أَنْ نَفْطِمَ نُفُوسَنَا عَنْ حُبِّ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَأَنْ تَصُومَ جَوَارِحُنَا عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَنَهَى عَنْهُ.
يَشْهَدُ عَلَى رَمَضَانَ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَنَّهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ شَهْرُ جِهَادِ النَّفْسِ وَجِهَادِ الشَّيْطَانِ.
فَالْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامُهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَغِلَّ هَذَا الشَّهْرَ الْكَرِيمَ فِي تَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى حُبِّ الطَّاعَةِ، وَالتَّلَذُّذِ بِالْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنْ نُجَنِّبَ أَسْمَاعَنَا وَأَبْصَارَنَا وَأَلْسِنَتَنَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
فَإِذَا جَاهَدْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى ذَلِكَ طِيلَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلًا وَنَهَارًا، نَكُونُ بِذَلِكَ قَدِ انْتَصَرْنَا عَلَى أَهْوَائِنَا وَشَهَوَاتِنَا، وَبِهَذَا نَسْتَفِيدُ مِنْ صِيَامِنَا وَقِيَامِنَا، وَتُغْفَرُ لَنَا جَمِيعُ ذُنُوبِنَا وَآثَامِنَا.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَعْتِقَ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، وَأَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنْ أَثَرِ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَأَنْ يُدْخِلَنَا بِرَحْمَتِهِ الْجَنَّةَ مَعَ الْأَبْرَارِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ.