→ رجوع إلى القائمة
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
الملخّص
تبين هذه الخطبة عظم حق الوالدين ومكانتهما في الإسلام، وتربط بين توحيد الله تعالى والإحسان إليهما. وتستعرض النعم الثلاث الجليلة التي جعل الله الوالدين سبباً فيها: الإيجاد، والإمداد، والإرشاد. كما توضح الخطبة واجب الأبناء تجاه آبائهم وأمهاتهم عند الكبر، مستشهدة بآيات سورة الإسراء وتفسيرها الدقيق. وتحث على التواضع لهما وخفض جناح الذل لهما رحمةً وشفقةً، والحرص على الدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما.
النقاط
- اقتران توحيد الله تعالى ببر الوالدين والإحسان إليهما.
- النعم الثلاث العظمى التي جعل الله الوالدين سبباً فيها: الإيجاد، والإمداد، والإرشاد.
- فضل الأم في الحمل والوضع والرضاعة والتربية.
- دور الأب في الإنفاق والرعاية والقيام بشؤون الأبناء.
- نعمة الهداية للإسلام ونشأة الأبناء على الفطرة السليمة بفضل الوالدين.
- تفسير آيات سورة الإسراء في بر الوالدين عند الكبر والنهي عن التأفف والنهر.
- وجوب التواضع للوالدين وخفض جناح الذل لهما رحمةً وشفقةً.
الفوائد (11)
شاهد شعري
تصوير شفقة الوالدين وحرصهما البالغ على ولدهما، وتأثرهما الشديد بأي عارض يعرض له.
سياقها: بيان شدة شفقة الوالدين وحرصهما على سلامة ولدهما
كلام الشيخ
جعل الله سبحانه وتعالى الوالدين أهم سبب في حصول العبد على أجلّ النعم وأعظمها؛ وهي نعم الإيجاد، والإمداد، والإرشاد.
كلام الشيخ
من أعظم نعم الله على العبد أن يولد لأبوين مسلمين يربيانِهِ على الفطرة السليمة والتوحيد، ويحميانِهِ من مسالك الكفر والشرك.
كلام الشيخ
أهم أسباب الرزق والإمداد الدنيوي للطفل هي الأم، فقد أجرت قوتها لتغذية جنينها، وحملته وهناً على وهن، وبالغت في رعايته دهراً.
كلام الشيخ
تنكير لفظ الإحسان في قوله تعالى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} يفيد العموم والشمول، ليكون المطلوب إحساناً عظيماً كاملاً في كل شأن.
كلام الشيخ
طبيعة الوالدين تدفعهما بالفطرة والعاطفة إلى التضحية بكل شيء من أجل أولادهما، بينما يندفع الأولاد سريعاً نحو زوجاتهم وذرياتهم متناسين فضل آبائهم.
كلام الشيخ
النهي عن قول (أُفٍّ) للوالدين عند طلبهما شيئاً يدل بالضرورة على تحريم ما هو فوق ذلك من القول السيئ أو النهر والزجر.
كلام الشيخ
يجب على الولد أن يعامل والديه في كبرهما بغاية التواضع والذل رحمةً بهما، واضعاً نفسه في منزلة الأصغر والأذل حفظاً لكرامتهما وعزتهما.
· ,text:
قول عالم
الأبوان هما المؤثر الأول في توجيه عقيدة الطفل وصياغة فطرته، فإما أن يبقياه على الفطرة السليمة وإما أن يحرفاه عنها.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
اقترن بر الوالدين بعبادة الله تعالى لأن الله هو الموجد الحقيقي والمنعم بالإيجاد والرزق، والوالدان هما الوساطة والساعيان في مصالح الولد.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ
قول عالم
بالغ الله سبحانه في التوصية بالوالدين في حال الكبر مبالغة تقشعر لها جلود أهل العقوق وتقف عندها مشاعرهم.
قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ · ,text:
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: ١-٢].
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: ٦].
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، البَشِيرُ النَّذِيرُ، وَالسِّرَاجُ المُنِيرُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ.
أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: ٢٥].
عِبَادَ اللَّهِ، إِذَا أَرَادَ أَحَدُنَا أَنْ يَتَصَوَّرَ عِظَمَ الإِحْسَانِ الَّذِي قَدَّمَهُ لَهُ الوَالِدَانِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِثَلَاثِ نِعَمٍ جَلِيلَةٍ، جَعَلَ الوَالِدَيْنِ أَهَمَّ سَبَبٍ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ مِنْهَا، وَهَذِهِ النِّعَمُ الثَّلَاثُ هِيَ: نِعْمَةُ الإِيجَادِ، وَنِعْمَةُ الإِمْدَادِ، وَنِعْمَةُ الإِرْشَادِ.
فَاللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِخَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ مِنَ العَدَمِ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ. فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، تَذَكَّرْ هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَدَكَ عَنْ طَرِيقِ وَالِدَيْكَ، وَأَوْجَدَكَ لِيَرْعَاكَ، أَوْجَدَكَ لِيُسْعِدَكَ، خَلَقَكَ لِيُدْخِلَكَ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَجَعَلَ وَالِدَيْكَ سَبَبًا لِهَذَا الخَيْرِ العَظِيمِ. هَذِهِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هِيَ نِعْمَةُ الخَلْقِ وَالإِيجَادِ.
وَالنِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ: نِعْمَةُ الرِّزْقِ وَالإِمْدَادِ، وَهِيَ نِعْمَةٌ كُبْرَى، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي رَزَقَكَ وَأَطْعَمَكَ وَكَسَاكَ، وَأَمَدَّكَ بِمَا يَحْفَظُ صِحَّتَكَ وَحَيَاتَكَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: ٣].
مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، أَهَمُّ أَسْبَابِ هَذَا الرِّزْقِ هِيَ الأُمُّ، فَقَدْ أَجْرَتْ قُوتَهَا لِتُغَذِّيَكَ، فَأُمُّكَ هِيَ حَمَلَتْكَ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِي وَهْنٍ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وَضَعَتْكَ كُرْهًا، ثُمَّ أَرْضَعَتْكَ وَبَالغَتْ فِي رِعَايَتِكَ دَهْرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: ١٥].
كَذَلِكَ أَبُوكَ كَانَ مَعَهَا لِأُمِّكَ فِي القِيَامِ بِشُؤُونِكَ وَالإِنْفَاقِ عَلَيْكَ مُنْذُ مَرْحَلَةِ الضَّعْفِ وَالطُّفُولَةِ حَتَّى بَلَغْتَ مَرْحَلَةَ الِاسْتِغْنَاءِ وَالِاسْتِقْلَالِ، وَهُمَا لَا يَنْفَكَّانِ عِنْدَ مَحَبَّتِهِمَا لَكَ وَمَشَاعِرِهِمَا وَدُعَائِهِمَا مَا دَامَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ:
يَتَبَاكَيَانِ وَيَشْكُوَانِ جَوَاهُمَا ... بِمَدَامِعٍ تَنْهَلُّ مِنْ بَرْحَائِهِ
يَتَجَاذَبَانِ إِذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... عَلَى الرِّيَاحِ هَبَبْنَ مِنْ تِلْقَائِهِ
عِبَادَ اللَّهِ، النِّعْمَةُ الثَّالِثَةُ: نِعْمَةُ الهِدَايَةِ وَالإِرْشَادِ، وَهَذِهِ أَجَلُّ النِّعَمِ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا الدِّينِ، وَجَعَلَنَا بِفَضْلِهِ مُسْلِمِينَ، وَهُوَ الَّذِي هَيَّأَ الأَسْبَابَ الَّتِي تُرْشِدُنَا إِلَى الهُدَى، وَأَهَمُّهَا وَأَوَّلُهَا هِدَايَةُ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. مَا أَعْظَمَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ اخْتَارَ لَكَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَلَهُمَا الفَضْلُ بَعْدَ اللَّهِ فِي تَرْبِيَتِكَ عَلَى الفِطْرَةِ وَالتَّوْحِيدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ".
فَهَذِهِ -أَخِي المُسْلِمَ- حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ لِوَالِدَيْكَ فِي إِبْقَائِكَ عَلَى الفِطْرَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَحِمَايَتِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، كَمَا أَنَّهُمَا يَأْمُرَانِكَ بِالصَّلَاةِ وَالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَيَانِكَ عَنِ المَعْصِيَةِ وَالمُنْكَرِ. فَتَذَكَّرْ -يَا عَبْدَ اللَّهِ- هَذِهِ الفَضِيلَةَ لِوَالِدَيْكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ ثَمَرَةَ ذَلِكَ عَظِيمَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لِمَنْ حَافَظَ عَلَى نِعْمَةِ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِذَا تَصَوَّرْنَا عِظَمَ الإِحْسَانِ مِنَ الوَالِدَيْنِ إِلَى وَلَدِهِمَا، أَدْرَكْنَا لِمَاذَا قَالَ اللَّهُ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، فَنَكَّرَ كَلِمَةَ (إِحْسَانًا) لِيَكُونَ إِحْسَانًا عَظِيمًا كَامِلًا. وَإِذَا تَذَكَّرْنَا فَضَائِلَ الوَالِدَيْنِ عَلِمْنَا السِّرَّ فِي اقْتِرَانِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ بِإِفْرَادِ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣].
قَالَ أَبُو حَيَّانَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ: مُنَاسَبَةُ اقْتِرَانِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ بِإِفْرَادِ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُوجِدُ حَقِيقَةً، وَالوَالِدَانِ وَسَاطَةٌ فِي إِنْشَائِهِ، وَهُوَ تَعَالَى مُنْعِمٌ بِإِيجَادِهِ وَرِزْقِهِ، وَهُمَا سَاعِيَانِ فِي مَصَالِحِهِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى البِرِّ وَالإِحْسَانِ وَأَدَاءِ الحُقُوقِ، وَأَعِذْنَا -اللَّهُمَّ- مِنَ الإِثْمِ وَالإِسَاءَةِ وَالعُقُوقِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
=== الخطبة الثانية ===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: ٢-٤].
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِلَهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الوَالِدَيْنِ يَنْدَفِعَانِ بِالفِطْرَةِ وَالعَاطِفَةِ وَالأُمُومَةِ وَالأُبُوَّةِ إِلَى رِعَايَةِ أَوْلَادِهِمْ، وَإِلَى التَّضْحِيَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجَلِ أَوْلَادِهِمْ. وَكَمَا تَمْتَصُّ النَّبْتَةُ الخَضْرَاءُ كُلَّ غِذَاءٍ فِي الحَبَّةِ فَإِذَا هِيَ حُطَامٌ، وَكَمَا يَمْتَصُّ الفَرْخُ كُلَّ غِذَاءٍ فِي البَيْضَةِ فَإِذَا هِيَ قِشْرٌ، كَذَلِكَ يَمْتَصُّ الأَوْلَادُ كُلَّ عَصِيرٍ وَكُلَّ جُهْدٍ وَاهْتِمَامٍ مِنَ الوَالِدَيْنِ فَإِذَا هُمَا شَيْخُوخَةٌ فَانِيَةٌ إِنْ أَمْهَلَهُمَا الأَجَلُ. أَمَّا الأَوْلَادُ فَسُرْعَانَ مَا يَنْسَوْنَ هَذَا كُلَّهُ وَيَنْدَفِعُونَ إِلَى الأَمَامِ، إِلَى الزَّوْجَاتِ وَالذُّرِّيَّةِ، لِذَلِكَ جَاءَتْ قَوَانِينُ القُرْآنِ بِقُوَّةٍ؛ لِيَعْطِفُوا عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمُ الَّذِينَ أَنْفَقُوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُمُ الجَفَافُ وَالكِبَرُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: ٢٣-٢٤].
قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ: لَقَدْ بَالَغَ سُبْحَانَهُ فِي التَّوْصِيَةِ بِالْوَالِدَيْنِ فِي حَالِ الكِبَرِ مُبَالَغَةً تَقْشَعِرُّ لَهَا جُلُودُ أَهْلِ العُقُوقِ، وَتَقِفُ عِنْدَهَا مَشَاعِرُهُمْ.
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ}: أَيْ حِينَ يَصِيرَانِ فِي كَنَفِكَ، وَفِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى رِعَايَتِكَ وَكَفَالَتِكَ.
قَوْلُهُ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}: أَيْ عِنْدَمَا يَطْلُبَانِ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تَتَأَفَّفْ عِنْدَ قَبُولِهِ، وَإِذَا نَهَيْنَا عَنْ قَوْلِ: (أُفٍّ)، فَغَيْرُهَا مِنَ القَوْلِ السَّيِّئِ أَوْلَى بِالنَّهْيِ.
قَوْلُهُ: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا}: أَيْ حِينَ تَطْلُبُ مِنْهُمَا شَيْئًا كَأَخْذِ عِطَاءٍ أَوْ تَنَاوُلِ طَعَامٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا تُغْلِظْ لَهُمَا فِي طَلَبٍ.
قَوْلُهُ: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}: أَيْ فَلْيَكُنْ رَدُّكَ أَوْ طَلَبُكَ بِالقَوْلِ الكَرِيمِ الَّذِي فِيهِ لُطْفٌ وَرِفْقٌ وَأَدَبٌ.
قَوْلُهُ: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}: أَيْ كُنْ فِي مُعَاشَرَتِهِمَا وَتَدْبِيرِ شُؤُونِهِمَا فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ، حِفْظًا لِعِزَّتِهِمَا وَكَرَامَتِهِمَا، فَيَجِبُ أَنْ تَعَامَلَهُمَا عَلَى أَنَّكَ الأَصْغَرُ وَأَنَّكَ الأَذَلُّ، بِدَافِعِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ.
ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ الوَصَايَا بِالدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ هُوَ البَاقِي لَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدِينَا، وَارْحَمْهُمْ كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.