→ رجوع إلى القائمة
فَضْلُ الْعَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ
الملخّص
تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْخُطْبَةُ فَضْلَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَوُجُوبَ تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالْعِبَادَةِ وَالْمُرَابَطَةِ وَتَرْكِ الشَّوَاغِلِ. كَمَا تُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةَ دُعَاءِ «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» وَشَرْحَ مَعَانِيهِ وَدَلَالَاتِهِ وَاقْتِرَانِ اسْمِ اللَّهِ العَفُوِّ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى. وَتَحُثُّ الْخُطْبَةُ عَلَى التَّخَلُّقِ بِخُلُقِ الْعَفْوِ مَعَ الْعِبَادِ لِنَيْلِ عَفْوِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. كَمَا تُفَصِّلُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ الخِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَيِّهِمَا أَبْلَغُ: الْعَفْوُ أَمِ الْمَغْفِرَةُ، وَتَدْعُو إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَبِ.
النقاط
- فَضْلُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْحِرْمَانِ فِيهَا بِالابْتِعَادِ عَنِ الشَّوَاغِلِ.
- اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِالْعَفْوِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَمَا أَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
- مَعْنَى اسْمِ اللَّهِ «الْعَفُوِّ» وَوُرُودُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَاقْتِرَانُهُ بِاسْمَيِ «الْغَفُورِ» وَ«الْقَدِيرِ».
- الْحَثُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ لِيُعَامِلَ اللَّهُ الْعَبْدَ بِالْعَفْوِ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
- الِاقْتِدَاءُ بِعَفْوِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّامِلِ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ.
- بَيَانُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَيِّهِمَا أَبْلَغُ: الْعَفْوُ أَمِ الْمَغْفِرَةُ، وَأَهَمِّيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الدُّعَاءِ.
الفوائد (10)
شاهد شعري
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي
جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ
بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ
تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
— الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ
سياقها: سَعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ عِنْدَ تَعَاظُمِ ذُنُوبِ العَبْدِ
كلام الشيخ
تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَمْرٌ يَسِيرٌ مُقَارَنَةً بِعَظَمَةِ أَجْرِهَا، وَالْعَجْزُ عَنِ الْمُرَابَطَةِ فِيهَا حِرْمَانٌ عَظِيمٌ.
كلام الشيخ
سُؤَالُ اللَّهِ العَفْوَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ هُوَ أَعْظَمُ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ طَلَبُهُ؛ لِرَفْعِ مَا نَزَلَ مِنَ المَكَارِهِ وَالأَدْوَاءِ وَدَفْعِ المَخَاوِفِ.
كلام الشيخ
اسْمُ اللَّهِ «العَفُوُّ» وَرَدَ فِي القُرْآنِ الْكَرِيمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ اقْتَرَنَ فِي أَرْبَعٍ مِنْهَا بِاسْمِ «الْغَفُورِ»، وَفِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ بِاسْمِ «الْقَدِيرِ».
كلام الشيخ
مَعْنَى اسْمِ اللَّهِ «العَفُوِّ» أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَتَجَاوَزُ عَنْ ذُنُوبِ عَبِيدِهِ وَيُسْقِطُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ.
كلام الشيخ
مُعَامَلَةُ عِبَادِ اللَّهِ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ سَبَبٌ لِنَيْلِ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ؛ إِذِ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
كلام الشيخ
الْعَفْوُ عَنِ الْمُسِيئِينَ وَالصَّفْحُ عَنْهُمْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فَعَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَعَ مَنْ أَسَاءُوا إِلَيْهِ.
قول عالم
الْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ هُوَ المَحْوُ وَإِسْقَاطُ الْعُقُوبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ · المقصد الأسنى
قول عالم
الْمَغْفِرَةُ أَبْلَغُ مِنَ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ المَغْفِرَةَ تَقْتَضِي السَّتْرَ وَوِقَايَةَ شَرِّ الذَّنْبِ وَنَيْلَ الثَّوَابِ مَعَ إِسْقَاطِ العِقَابِ.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ · مجموع الفتاوى
قول عالم
العَفْوُ هُوَ إِسْقَاطُ العِقَابِ، وَالمَغْفِرَةُ هِيَ سَتْرُ الجُرْمِ صِيَانَةً لِلْعَبْدِ مِنْ عَذَابِ التَّخْجِيلِ وَالفَضِيحَةِ.
قَالَ الإِمَامُ الرَّازِيُّ · التفسير الكبير
نصّ الخطبة
الْحَمْدُ لِلَّهِ العَفُوِّ الغَفُورِ ، الحَلِيمِ الشَّكُورِ .
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ،
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [ غافر : ١٩ ] .
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
اصْطَفَاهُ رَبُّهُ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .
* صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ .
أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ ،،،
فَإِنَّ التَّقْوَى ، ثَوَابُهَا جَنَّةُ المَأْوَى .
* قَالَ ( جَلَّ وَعَلَا ) : ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ﴾ [ مريم : ٦٣ ] .
* عِبَادَ اللَّهِ / لَوْ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أُخْفِيَتْ فِي لَيَالِي الْعَامِ لَكَانَتْ جَدِيرَةً بِأَنْ نَتَحَرَّاهَا الْعَامَ كُلَّهُ !!
* فَكَيْفَ وَقَدْ قُرِّبَتْ لَنَا ، فَأُخْفِيَتْ فِي عَشْرِ لَيَالٍ فَقَطْ ؟!
هِيَ العَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ .
* سُبْحَانَ اللَّهِ !! أَيَعْجِزُ الْوَاحِدُ مِنَّا أَنْ يَقْطَعَ عُكُوفَهُ عَلَى القَنَوَاتِ وَالجَوَّالِ ؟
أَوْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ كَثْرَةِ التَّسَوُّقِ وَالتَّجْوَالِ ؟!
* أَلَا إِنَّهُ مِنَ الحِرْمَانِ أَنْ نَعْجِزَ عَنِ المُرَابَطَةِ عَشْرَ لَيَالٍ ، لِنَيْلِ دُرَّةِ الدَّهْرِ ، وَغَنِيمَةِ العُمْرِ ، لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [ القدر : ٢ - ٣ ] .
* قَالَ ﷺ عَنْهَا : « مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ » .
* لِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ « إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ » .
مَعْشَرُ المُؤْمِنِينَ / إِنَّ عَفْوَ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَهَمُّ مَا نَنْشُدُهُ وَنَرْجُوهُ فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَإِنَّ مَا أَصَابَنَا فِيهِ الشِّدَّةِ وَالبَلَاءِ ، وَنَقْصِ البَرَكَةِ وَالرَّخَاءِ لَهُوَ بِسَبَبِ ذُنُوبِنَا وَمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا .
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى : ٣٠ ] .
* فَنَحْنُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى عَفْوِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِرَفْعِ مَا نَزَلَ مِنَ المَكَارِهِ وَالأَدْوَاءِ ، وَدَفْعِ مَا نَخْشَاهُ مِنْ سُوءٍ وَبَلَاءِ .
* لِذَلِكَ لَمَّا سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، مَا أَقُولُ فِيهَا ؟
قَالَ : « قُولِي : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي » .
* وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، مَا أَقُولُ فِيهِ ؟ قَالَ : « قُولِي : اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي » .
* فَهَذَا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - دُعَاءٌ عَظِيمٌ ، ابْتُدِأَ بِالثَّنَاءِ ، وَالتَّوَسُّلِ بِالأَسْمَاءِ المُنَاسِبَةِ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدُّعَاءِ ، فَالدَّاعِي يَفْتَتِحُ دُعَاءَهُ بِقَوْلِهِ : « اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ » .
* وَالعَفُوُّ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى ، وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، مِنْهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ اقْتَرَنَ فِيهَا العَفُوُّ بِالغَفُورِ ، وَفِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ اقْتَرَنَ بِالقَدِيرِ .
* وَمَعْنَى العَفُوِّ أَيْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَجَاوَزُ عَنْ ذُنُوبِ عَبِيدِهِ ، وَيُسْقِطُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ .
* فَالدَّاعِي يَتَوَسَّلُ بِإِثْبَاتِ هَذَا الاِسْمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِقَوْلِهِ : « تُحِبُّ الْعَفْوَ » ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ عِبَادِهِ ، وَيَفْرَحَ بِتَوْبَتِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَعْفُوَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ .
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ [ البقرة : ٢٣٧ ] .
* وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا : ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [ الشورى : ٤٠ ] .
* وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا » .
* فَيَا مَنْ يُرِيدُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ ذَنْبِهِ ، عَامِلْ بِالعَفْوِ عِبَادَهُ ؛ لِيُعَامِلَكَ رَبُّكَ بِالعَفْوِ وَزِيَادَةٍ ؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ .
﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ [ القصص : ٦٠ ] .
* قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ النور : ٢٢ ] .
* فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُونَ / اخْتِمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِالعَفْوِ وَالإِحْسَانِ ، وَلْتَتَذَكَّرُوا أَنَّ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي العِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الهِجْرَةِ لَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ أَصْدَرَ عَفْوَهُ الشَّامِلَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَالَ لَهُمْ : « إِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ : ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ » .
* اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا ، وَعَنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ، وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ، وَسَائِرِ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
* أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ .
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [ المدثر : ٥٦ ] .
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ ، لَا شَرِيكَ لَهُ .
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا
فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ /
اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ : أَيُّهُمَا أَبْلَغُ ، العَفْوُ أَمِ المَغْفِرَةُ ؟
* فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ ، مِنْهُمُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّ العَفْوَ أَبْلَغُ مِنَ المَغْفِرَةِ .
* وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى ، مِنْهُمْ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّ المَغْفِرَةَ أَبْلَغُ مِنَ العَفْوِ .
قَالُوا : لِأَنَّ العَفْوَ إِسْقَاطُ العُقُوبَةِ عَلَى الذَّنْبِ ، وَأَمَّا المَغْفِرَةُ فَتَقْتَضِي مَعَ إِسْقَاطِ العِقَابِ : نَيْلَ الثَّوَابِ .
* فَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا إِذَا غَفَرَ لِعَبْدِهِ : سَتَرَهُ وَوَقَاهُ شَرَّ ذَنْبِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَرَضِيَ عَنْهُ .
* قَالَ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : العَفْوُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ العِقَابَ ، وَالمَغْفِرَةُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ جُرْمَهُ صِيَانَةً لَهُ مِنْ عَذَابِ التَّخْجِيلِ وَالفَضِيحَةِ .
* فَيَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ / اجْمَعُوا بَيْنَ طَلَبِ العَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ ، فَاحْرِصُوا عَلَى قِيَامِ هَذِهِ اللَّيَالِي إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا .
* فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » .
* اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا ، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا .
* اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا جَمِيعًا لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .