→ رجوع إلى القائمة

وَاهْتَزَّ سَقْفُ الْعَالَمِ

الرمز: أ التاريخ: ٣/٥/١٤٤٥هـ الفوائد: 10 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مَنَاقِبَ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ. وَتَسْتَعْرِضُ سِيرَتَهُ الْعَطِرَةَ بَدْءًا مِنْ إِسْلَامِهِ وَتَبْلِيغِهِ الدَّعْوَةَ لِقَوْمِهِ، مَُرُورًا بِمَوَاقِفِهِ الْخَالِدَةِ فِي غَزْوَتَيْ بَدْرٍ وَالْخَنْدَقِ، وَحُكْمِهِ الْعَادِلِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. كَمَا تُبَيِّنُ الْخُطْبَةُ الْأَسْبَابَ الْإِيمَانِيَّةَ وَالْمَنَاقِبَ الْخَمْسَةَ الَّتِي بَلَغَ بِهَا سَعْدٌ هَذِهِ الْمَكَانَةَ الْعَالِيَةَ.

النقاط

الفوائد (10)

شاهد شعري
مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ
لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ
فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ
وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
سياقها: بيان عظمة الله جل وعلا وعلوّه على عرشه وتفرّده بالربوبية
شاهد شعري
مَا كَانَ إِلَّا الشَّمْسُ يَسْطُعُ ضَوْؤُهَا
وَالْخِصْبُ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ الْمَاحِلِ
قِفْ أَيُّهَا التَّارِيخُ سَجِّلْ صَفْحَةً
غَرَّاءَ تَنْطِقُ بِالْخُلُودِ الْكَامِلِ
حَرَّكْ بِسِيرَتِهِ الْقُلُوبَ وَقَدْ قَسَتْ
وَغَدَتْ بِقَسْوَتِهَا كَصَخْمِ جَنَادِلِ
سياقها: الإِشَادَة بِمَوَاقِفِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأَثَرِ إِسْلَامِهِ فِي هِدَايَةِ قَوْمِهِ
شاهد شعري
فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تُدْمَى كُلُومُنَا
وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ
لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا
صَبَرْنَا وَكَانَ الصَّبْرُ فِينَا سَجِيَّةً
بِأَسْيَافِنَا يَقْطَعْنَ كَفًّا وَمِعْصَمَا
— خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ
سياقها: الثَّبَات فِي الْجِهَادِ وَالشَّجَاعَة فِي مَوَاطِنِ اللِّقَاءِ
كلام الشيخ
عَرْشُ الرَّحْمَنِ هُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَوَّلُهَا، وَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ، وَلَهُ قَوَائِمُ عَظِيمَةٌ وَتَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ.
كلام الشيخ
تَسْخِيرُ الْجَاهِ وَالْمَكَانَةِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ كَانَ سَبَبًا رَئِيسًا فِي سِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ.
كلام الشيخ
الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ بِالْوَحْيِ وَالِاتِّعَاظُ بِالْمَوْتِ مِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ الْإِيمَانِ الَّتِي تَرْفَعُ دَرَجَاتِ الْعَبْدِ عِنْدَ اللهِ.
قول عالم
أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قول عالم
ثَلَاثٌ أَنَا فِيهِنَّ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وَمَا سِوَى ذَلِكِ فَأَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا قَطُّ إِلَّا عَلِمْتُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللهِ، وَوَلَا كُنْتُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ فَشُغِلْتُ نَفْسِي بِغَيْرِهَا حَتَّى أَقْضِيَهَا، وَمَا كُنْتُ فِي جَنَازَةٍ قَطُّ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ وَيُقَالُ لَهَا حَتَّى أَنْصَرِفَ عَنْهَا.
قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

نصّ الخطبة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ ، ذِي الْعَفْوِ الْوَاسِعِ وَالْعِقَابِ الشَّدِيدِ . * مَنْ هَدَاهُ وَأَرْشَدَهُ ، فَهُوَ الْمُهْتَدِي الرَّشِيدُ ، وَمَنْ أَضَلَّهُ وَأَغْوَاهُ ، فَهُوَ الْمَرِيدُ الْبَعِيدُ . * أَحْمَدُهُ - سُبْحَانَهُ - وَهُوَ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالتَّحْمِيدِ ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ ، وَشُكْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْمَزِيدِ . * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ ، الْغَفُورُ الْوَدُودُ ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ . * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، الدَّاعِي إِلَى التَّوْحِيدِ ، خَيْرُ مَنْ أَظَلَّتِ السَّمَاءُ وَأَقَلَّتِ الْبِيدُ ، * صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا ، لَا يَنْفَدُ وَلَا يَبِيدُ . أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / اتَّقُوا ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٥-٢٦]. مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ قَدْرَهُ ... وَمَنْ هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ * عِبَادَ اللهِ / عَرْشُ الرَّحْمَنِ هُوَ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَعْظَمُهَا ، وَهُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ كَالْقُبَّةِ ، وَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ ، وَلَهُ قَوَائِمُ عَظِيمَةٌ ، وَلَهُ مَلَائِكَةٌ يَحْمِلُونَهُ ، * قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ ، مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ» . مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ / وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ قَوْلُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ» . * عِبَادَ اللهِ / إِذَا كَانَ عَرْشُ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَالضَّخَامَةِ ، فَتَصَوَّرُوا أَنَّهُ يَهْتَزُّ ، لِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ !! * نَعَمْ ، لَقَدِ اهْتَزَّ لِمَوْتِ صَحَابِيٍّ جَلِيلٍ ، هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ . * فَتَعَالَوْا نَتَعَرَّفْ عَلَى سِيرَتِهِ ، وَأَسْبَابِ عُلُوِّ مَكَانَتِهِ ، حَتَّى اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ !! * هُوَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، كَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ وَمُطَاعًا مُبَجَّلًا ، * وَلَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى ، بَعَثَ مَعَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، لِيَدْعُوَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَيُعَلِّمَهُمُ الْقُرْآنَ ، قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . * وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، فَمَا إِنْ أَسْلَمَ سَعْدٌ حَتَّى انْطَلَقَ إِلَى قَوْمِهِ ، فَقَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا : سَيِّدُنَا ، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً . * قَالَ : فَإِنَّ كَلَامَكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ (رِجَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ) حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ . * فَأَشْرَقَتْ شَمْسُ الْهِدَايَةِ عَلَى قَوْمِهِ ، فَمَا بَقِيَ فِيهِمْ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا وَأَسْلَمُوا . مَا كَانَ إِلَّا الشَّمْسُ يَسْطُعُ ضَوْؤُهَا ... وَالْخِصْبُ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ الْمَاحِلِ قِفْ أَيُّهَا التَّارِيخُ سَجِّلْ صَفْحَةً ... غَرَّاءَ تَنْطِقُ بِالْخُلُودِ الْكَامِلِ حَرَّكْ بِسِيرَتِهِ الْقُلُوبَ وَقَدْ قَسَتْ ... وَغَدَتْ بِقَسْوَتِهَا كَصَخْمِ جَنَادِلِ عِبَادَ اللهِ / وَمِنْ مَوَاقِفِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّتِي خَلَّدَهَا لَهُ التَّارِيخُ ، أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى ، اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ وَأَحْسَنَ ، ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ وَأَحْسَنَ ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَتَكَلَّمَ وَأَحْسَنَ ، وَكَانُوا جَمِيعًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ» ، فَفَطِنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِمُرَادِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَقَالَ : وَاللهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، ظُعْنَا بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ ، وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ ، فَوَاللهِ لَئِنْ سِرْتَ بِنَا حَتَّى تَبْلُغَ الْبِرَكَ مِنْ غِمْدَانَ لَنَسِيرَنَّ مَعَكَ ، وَوَاللهِ لَئِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ . فَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تُدْمَى كُلُومُنَا ... وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ ... لِنَفْسِي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا صَبَرْنَا وَكَانَ الصَّبْرُ فِينَا سَجِيَّةً ... بِأَسْيَافِنَا يَقْطَعْنَ كَفًّا وَمِعْصَمَا * وَفِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ ، لَمَّا تَكَالَبَتِ الْأَحْزَابُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، يُرِيدُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، يُؤَزِّرُهُمُ الْيَهُودُ أُزْرًا ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠-١١] . * لَقَدِ اشْتَدَّ الْكَرْبُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُمْ مُحَاصَرُونَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْمُرَابِطِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَيُقَدِّرُ اللهُ أَنْ يُصَابَ بِسَهْمٍ فِي ذِرَاعِهِ ، وَيَنَفَجِرُ الدَّمُ مِنْ وَرِيدِهِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُعَجَّلَ بِإِسْعَافِهِ ، وَأَنْ تُنْصَبَ لَهُ خَيْمَةٌ فِي الْمَسْجِدِ ، لِيَكُونَ عَلَى قُرْبٍ مِنْهُ ، وَلِيَعُودَهُ عَلَيْهِ دَائِمًا ، فَحُمِلَ سَعْدٌ إِلَى تِلْكِ الْخَيْمَةِ ، وَهُنَاكَ رَفَعَ بَصَرَهُ شَطْرَ السَّمَاءِ ، فَدَعَا رَبَّهُ قَائِلًا : «اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا ، فَأَبْقِنِي لَهَا ، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْ مَا أَصَابَنِي الْيَوْمَ طَرِيقًا لِلشَّهَادَةِ ، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ» . * وَلَمَّا هَزَمَ اللهُ الْأَحْزَابَ ، وَانْفَضُّوا بِغَيْظِهِمْ عَنْ حِصَارِ الْمَدِينَةِ ، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ، عِنْدَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً اتَّجَهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ نَكَثُوا أَلْبُؤَ الْأَحْزَابِ وَغَدَرُوا بِالْمُسْلِمِينَ ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، فَلَمَّا أُسْقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ، أَعْلَنُوا الِاسْتِسْلَامَ بِشَرْطِ أَنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيفَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ظَنُّوا أَنَّهُ سَيَرْفُقُ بِهِمْ ، فَجِيءَ بِسَعْدٍ مَحْمُولًا عَلَى دَابَّةٍ ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِ الْمَرَضُ مَبْلَغَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «يَا سَعْدُ احْكُمْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» ، قَالَ : فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ ، وَتُقَسَّمَ الْأَمْوَالُ ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» . * لَقَدْ كَانَ سَعْدٌ أَعْرَفَ النَّاسِ بِالْيَهُودِ ، فَهُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وَنَقْضٍ لِلْعُهُودِ ، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] . أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ . === الخطبة الثانية === الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى . * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ۝ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤-٥] . * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَمَنِ اقْتَفَاهُ . أَمَّا بَعْدُ : فَيَا عِبَادَ اللهِ / لَقَدِ اسْتَجَابَ اللهُ لِدُعَاءِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ وَشَفَى صَدْرَهُ ، حِينَ قُتِلَ رِجَالُهُمْ وَسُبِيَ نِسَاؤُهُمْ وَذُرِّيَّتُهُمْ ، فَبَعْدَ أَنْ حَكَمَ فِيهِمْ ، انْفَجَرَ جُرْحُهُ وَمَاتَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ . * وَحِينَهَا يَأْتِي الْوَحْيُ بِالْعَزَاءِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : «إِنَّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ فَرَحًا بِهِ» . * اللهُ أَكْبَرُ ، مَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَقَامٍ ، وَمَا أَعْلَاهُ مِنْ وِسَامٍ !! لَمْ يَقُلْ : اهْتَزَّتْ لِمَوْتِهِ الْجِبَالُ أَوْ الْأَرْضُ أَوْ السَّمَاوَاتُ ، بَلْ قَالَ : «اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ» . * فَلْنَتَأَمَّلْ يَا عِبَادَ اللهِ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي نَالَ بِهَا سَعْدٌ هَذِهِ الْمَكَانَةَ الْعُظْمَى . * وَسَأَذْكُرُ لَكُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَمْسَةَ أَسْبَابٍ : ثَلَاثَةٌ مِنْهَا حَدَّثَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ، وَسَبَبَيْنِ حَدَّثْنَا بِهِمَا سِيرَتُهُ . * قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ نَفْسِهِ : «ثَلَاثٌ أَنَا فِيهِنَّ رَجُلٌ قَوِيٌّ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ : الْأُولَى : مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا قَطُّ ، إِلَّا عَلِمْتُ أَنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللهِ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ إِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِيَةُ : «مَا كُنْتُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ ، فَشُغِلْتُ نَفْسِي بِغَيْرِهَا حَتَّى أَقْضِيَهَا» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَخْشَعُ فِي صَلَاتِهِ . الثَّالِثَةُ : «مَا كُنْتُ فِي جَنَازَةٍ قَطُّ ، فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ وَيُقَالُ لَهَا حَتَّى أَنْصَرِفَ عَنْهَا» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ اتِّعَاظِهِ بِالْمَوْتِ ، فَكَانَ بِالْمَوْتِ وَاعِظًا . الْخَصْلَةُ الرَّابِعَةُ : وَلَاؤُهُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، وَبَرَاءَتُهُ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ ، وَلِهَذَا تَبَرَّأَ مِنَ الْيَهُودِ وَمِنْ حِلْفِهِمْ وَحَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ . * الْخَصْلَةُ الْخَامِسَةُ : بَذْلُهُ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجَاهِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَلِهَذَا اسْتَغَلَّ مَكَانَتَهُ فِي قَوْمِهِ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ، وَقَالَ : كَلَامُكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ . * فَلَمَّا وَظَّفَ جَاهَهُ وَمَكَانَتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، رَفَعَ اللهُ شَأْنَهُ ، فَأَمَرَ لِلْعَرْشِ أَنْ يَهْتَزَّ لِمَوْتِهِ ، إِشَادَةً بِهِ ، وَحُبًّا لَهُ . * فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ سَائِرِ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ ، هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا ...