→ رجوع إلى القائمة
الحث على الإخلاص وطاعات السر والتحذير من الرياء وحب الشهرة
الملخّص
تبدأ الخطبة ببيان أهمية الإخلاص في الأقوال والأعمال كشرط أساسي لقبول العبادات عند الله تعالى. وتحذر الخطبة من عواقب الرياء وحب الشهرة والظهور التي تحول الأعمال الصالحة إلى هباء منثور يوم القيامة. كما تشير إلى خطورة الحرص على المال والشرف وتأثيرهما المفسد للدين، مستشهدة بالحديث النبوي الشريف. وتختتم الخطبة بالحث على طاعات السر والخبيئة الصالحة كأعظم الوسائل لتقوية الإخلاص وتثبيته في قلوب المؤمنين.
النقاط
- الإخلاص والتقوى هما سبيل النجاة والفوز في الدنيا والآخرة.
- اشتراط الإخلاص والمتابعة لقبول أي عمل عند الله عز وجل.
- التحذير من الحسرة العظمى يوم القيامة عندما تصبح الأعمال هباءً منثوراً بسبب الرياء.
- خطورة التصنع وحب الشهرة والظهور وملاحقة عدسات التصوير في العصر الحالي.
- بيان المثل النبوي في خطورة الحرص على المال والشرف وإفسادهما للدين.
- فضل طاعات السر والخبيئة الصالحة في تقوية الإخلاص وتزكية النفس.
الفوائد (9)
كلام الشيخ
أعظم الخسران والحسرة يوم القيامة أن يرى العبد أعمالاً كثيرة قدمها في الدنيا تذهب هباءً منثوراً بسبب مخالطة الرياء والسمعة لها.
· التحذير من عاقبة الشرك الأصغر والرياء يوم القيامة
كلام الشيخ
الحرص الشديد على جمع المال وطلب الشرف والرياسة يفسد دين المرء إفساداً أشد من إفساد ذئبين جائعين أُرسلا في قطيع غنم غاب عنه رعاته.
· بيان خطورة الحرص على المال والجاه وتأثيرهما المفسد للدين
كلام الشيخ
من أعظم الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص وتثبيته في القلب هو الحرص على طاعات السر والخبيئة الصالحة التي لا يعلمها إلا الله.
· الحث على طاعات السر لتقوية الإخلاص وتثبيته في القلب
كلام الشيخ
كل عمل صالح يُراد به غير وجه الله تعالى، فإن الله غني عنه ولا يقبله، ويوم القيامة يُحال صاحبه إلى من راءى معهم ليطلب جزاءه.
· بيان غنى الله تعالى عن الشركاء وإحالة المرائين إلى من راءوا معهم يوم القيامة
كلام الشيخ
مظاهر التصنع وحب الشهرة والظهور وملاحقة عدسات التصوير في العصر الحديث أفسدت كثيراً من مجالات البذل والعطاء وحولتها إلى مباهاة وخيلاء.
· التحذير من مظاهر التصنع وحب الشهرة في العصر الحديث وتأثيرها على الإخلاص
قول عالم
الإخلاص هو روح العمل الصالح وبدونه يصبح العمل جسداً بلا روح لا قيمة له ولا نفع فيه.
· بيان حقيقة الإخلاص وأنه روح العمل الصالح وبدونه لا قيمة للعمل
قول عالم
العمل الصالح الذي يخلو من الإخلاص والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكون عبئاً ثقيلاً على صاحبه دون أن ينفعه في الآخرة.
· تشبيه العمل الخالي من الإخلاص والاتباع بالرمل الذي يثقل المسافر دون نفع
قول عالم
كل عمل يعمله العبد يُعرض على ميزانين دقيقين: ميزان الإخلاص (لماذا عُمل؟)، وميزان المتابعة والاتباع (كيف عُمل؟).
· بيان الميزانين اللذين يعرض عليهما كل عمل صالح يوم القيامة
قول عالم
يُستحب للمؤمن أن يجعل لنفسه أعمالاً صالحة خفية لا يطلع عليها أحد من الخلق، حتى أقرب الناس إليه كزوجته، لتكون ذخراً له عند الله.
· استحباب اتخاذ خبيئة من العمل الصالح لا يعلم بها أحد من الخلق
نصّ الخطبة
{الْخُطْبَةُ الْأُولَى}
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَمَكْنُونِهِ، الْعَالِمِ بِسِرِّ الْعَبْدِ وَجَهْرِهِ وَظُنُونِهِ، فَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ نِيَّتُهُ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ.
مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلَاةً، مُخْلِصًا بِهَا مِنْ قَلْبِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ".
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ، فَإِنَّهُ لَا نَجَاةَ وَلَا فَوْزَ وَلَا عُقْبَى؛ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّقْوَى.
قَالَ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢].
عِبَادَ اللَّهِ: حَدِيثِي لَكُمْ الْيَوْمَ عَنِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَنْ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا.
جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ، مَا لَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا شَيْءَ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ".
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْإِخْلَاصُ مِسْكٌ مَصُونٌ فِي مَسْكِ الْقَلْبِ، يَنْبَعِثُ رِيحُهُ عَلَى حَامِلِهِ، وَالْعَمَلُ صُورَةٌ، وَالْإِخْلَاصُ رُوحٌ، إِذَا لَمْ تَخْلُصْ فَلَا تَتْعَبْ".
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْعَمَلُ بِغَيْرِ إِخْلَاصٍ وَلَا اقْتِدَاءٍ، كَالْمُسَافِرِ يَمْلَأُ جِرَابَهُ رَمْلًا، يُثْقِلُهُ وَلَا يَنْفَعُهُ".
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا مِنْ فِعْلَةٍ وَإِنْ صَغُرَتْ؛ إِلَّا وَيُنْشَرُ لَهَا دِيوَانَانِ: لِمَ؟ وَكَيْفَ؟، أَيْ: سُؤَالٌ عَنِ الْإِخْلَاصِ، وَسُؤَالٌ عَنِ الْمُتَابَعَةِ.
فَيُسْأَلُ - أَوَّلًا - عَنْ دَافِعِ الْعَمَلِ وَبَاعِثِهِ: هَلْ هُوَ الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، أَمْ هُوَ طَلَبُ الدُّنْيَا، أَوْ إِرَادَةُ مَحَبَّةِ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ، أَوْ هُوَ حُبُّ الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ، أَوِ الرَّغْبَةُ فِي التَّصَدُّرِ وَالرِّيَاسَةِ؟!
وَالسُّؤَالُ الثَّانِي عَنِ الْمُتَابَعَةِ: هَلْ هُوَ مُقْتَدٍ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَمَلِهِ، أَمْ مُبْتَدِعٌ؟ هَلْ هُوَ مُقْتَفٍ لِهَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ؟!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَعْظَمَ الْحَسْرَةِ وَالْغَبْنِ، أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ، يُقَالُ لَهَا: كُونِي هَبَاءً مَنْثُورًا، لَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، بَلْ لَوَّثَهَا الرِّيَاءُ، وَخَالَطَتْهَا السُّمْعَةُ، وَأَفْسَدَتْهَا إِرَادَةُ الدُّنْيَا، فَتَخِيبُ آمَالُهُ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، وَتَخُونُهُ فِي أَحْلَكِ الظُّرُوفِ وَأَصْعَبِ الْأَحْوَالِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ".
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الرِّيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً"؟!
كَلَّا وَاللَّهِ!!، فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُقَرَاءُ، لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
يَا عِبَادَ اللَّهِ: أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ، غَلَبَ عَلَيْهِ التَّصَنُّعُ وَالْمُرَاءَاةُ، وَحُبُّ الشُّهْرَةِ وَالظُّهُورِ، وَمُلَاحَقَةُ عَدَسَاتِ التَّصْوِيرِ.
فَالْمَجَالَاتُ الَّتِي يَحْتَفِي بِهَا الْإِعْلَامُ وَتُسَلَّطُ عَلَيْهَا الْأَضْوَاءُ، يَتَسَابَقُ إِلَيْهَا الْأَثْرِيَاءُ بِالْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَتَتَهَافَتُ عَلَيْهَا قَصَائِدُ الشُّعَرَاءِ، بِالْمَدِيحِ وَالْإِطْرَاءِ، وَتُبْسَطُ فِيهَا مَوَائِدُ الْغِنَى وَالْخُيَلَاءِ، الَّتِي يُدْعَى إِلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ دُونَ الْفُقَرَاءِ.
أَمَّا مَجَالَاتُ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، فَالْوُجُوهُ عَنْهَا مُعْرِضَةٌ، وَالنُّفُوسُ عَنْهَا زَاهِدَةٌ، وَالْأَكُفُّ عَنْهَا مَقْبُوضَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ: انْظُرْ، هَلْ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟!".
مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَقَدْ ضَرَبَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا عَجِيبًا يُبَيِّنُ لَنَا خُطُورَةَ حُبِّ الشَّرَفِ وَالرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ، وَضَرَرَ ذَلِكَ عَلَى دِينِنَا وَآخِرَتِنَا.
قَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ، أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ".
فَتَصَوَّرُوا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - فَسَادَ ذِئْبَيْنِ جَائِعَيْنِ ضَارِيَيْنِ، بَاتَا فِي غَنَمٍ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا، فَمَاذَا كِلَاهُمَا مُبْقٍ وَمُفْتَرِسٌ فِيهَا؟!
كَذَلِكَ فَسَادُ حُبِّ الْمَالِ وَهُوَ الذَّنْبُ الْأَوَّلُ، وَفَسَادُ حُبِّ الشَّرَفِ وَالرِّيَاسَةِ، وَهُوَ الذَّنْبُ الثَّانِي، فَإِنَّهُمَا يُفْسِدَانِ فِي الدِّينِ إِفْسَادًا عَظِيمًا.
اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَاجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَاجْعَلْهَا لِوَجْهِكَ خَالِصَةً، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
{الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ}
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ ثِقَتُنَا حِينَ تَنْقَطِعُ عَنَّا الْحِيَلُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ رَجَاؤُنَا حِينَ تَسُوءُ ظُنُونُنَا بِأَعْمَالِنا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِمَّا يُقَوِّي الْإِخْلَاصَ: الْحِرْصُ الْمُسْتَمِرُّ، عَلَى طَاعَاتِ السِّرِّ.
فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَلَاثَةٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى:
"قَوْمٌ أَتَاهُمْ رَجُلٌ، فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ،
وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي،
وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ، فَهُمِزُوا، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ".
فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَنْ يَكُونَ لَهُ طَاعَاتٌ فِي السِّرِّ، لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَيُّكُمْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ؛ فَلْيَفْعَلْ". وَكَانَ سَلَفُ الْأُمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ خَبِيئَةٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، لَا تَعْلَمُ بِهِ زَوْجَتُهُ وَلَا غَيْرُهَا.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا...