→ رجوع إلى القائمة

مشهد الوداع ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم

الرمز: أ التاريخ: ٢٦/١٠/١٤٤٣هـ الفوائد: 10 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تناولت الخطبة التذكير بحتمية الموت وشموليته لجميع الخلائق مهما عظمت منازلهم، مستعرضة اللحظات الأخيرة المشهودة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتوديعه لأمته. وبينت الخطبة أهمية الوصية الخالدة بالصلاة، ودعت المسلمين إلى التعزي بمصاب الأمة في وفاة نبيها صلى الله عليه وسلم لتهوين كل مصائب الدنيا. كما أكدت على استحضار هول القبر ووحشته للزهادة في شهوات الدنيا الفانية والاستعداد للآخرة بالفرائض والنوافل.

النقاط

الفوائد (10)

شاهد شعري
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ
وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي
وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا
سياقها: الحث على تقوى الله وبيان أن مشيئة الله هي النافذة
شاهد شعري
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
أَوَمَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِبَ جَمَّةٌ
وَتَرَى المَنِيَّةَ لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ
فَإِذَا ذَكَرْتَ مُصِيبَةً تَسْلُو بِهَا
فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
— أَبُو الْعَتَاهِيَةِ
سياقها: التسلي بمصاب الأمة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول المصائب
شاهد شعري
مَنْ كَانَ يُؤْنِسُهُ تَبْدِيلُ مَنْزِلِهِ
وَأَنْ يُبَدَّلَ مِنْ مَتْرَكٍ حَسَنَا
مَاذَا يَقُولُ إِذَا ضُمَّتْ جَوَانِبُهَا
عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتْ مِنْ هَاهُنَا وَهُنَا
مَاذَا يَقُولُ إِذَا أَمْسَى بِحُفْرَتِهِ
فَرِيدًا وَقَدْ فَارَقَ الْأَهْلِينَ وَالسَّكَنَا
أَنِسْ هُنَالِكَ يَا رَحْمَنُ وَحْشَتَنَا
وَالْطُفْ بِنَا وَتَرَفَّقْ عِنْدَ ذَاكَ بِنَا
نَحْنُ العُصَاةُ وَأَنْتَ اللَّهُ مَلْجَؤُنَا
وَأَنْتَ مَقْصَدُنَا الْأَسْنَى وَطَلْبَتُنَا
سياقها: بيان مصير الإنسان بعد مفارقة منازل الدنيا إلى القبر والدعاء باللطف والأنس
كلام الشيخ
تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ خَيْرُ زَادٍ يَتَزَوَّدُ بِهِ الْعَبْدُ فِي حَيَاتِهِ، وَأَفْضَلُ مَا يَكْتَسِبُهُ وَيَسْتَفِيدُهُ لِمَعَادِهِ.
كلام الشيخ
الْمَوْتُ حَقٌّ حَتْمٌ عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، لا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَلِكٍ وَمَمْلُوكٍ أَوْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَلا يَدْفَعُهُ جَاهٌ وَلا حِصْنٌ حَصِينٌ.
كلام الشيخ
الصَّلَاةُ هِيَ أَعْظَمُ الْوَصَايَا الَّتِي كَرَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ لَحَظَاتِ حَيَاتِهِ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ.
كلام الشيخ
المَصَائِبُ مَهْمَا عَظُمَتْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ التَّسَلِّيَ بِمَصَابِ الأُمَّةِ فِي وَفَاةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّفُ كُلَّ حُزْنٍ وَرَزِيَّةٍ.
كلام الشيخ
سَكَرَاتُ المَوْتِ وَشَدَائِدُهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا حَتَّى خَلِيلُ الرَّحْمَنِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا يَدْعُو لِلاسْتِعْدَادِ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
كلام الشيخ
تَذَكُّرُ المَوْتِ وَأَهْوَالِ القَبْرِ يُزَهِّدُ النَّفْسَ فِي اللَّذَّاتِ الفَانِيَةِ وَيَقْطَعُهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَيَبْعَثُهَا عَلَى المَزِيدِ مِنَ الطَّاعَاتِ.
قول عالم
فِي القَبْرِ وَظُلْمَتِهِ وَوَحْشَتِهِ مَا يَدْعُو العَبْدَ لِلِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِنَبْذِ الشَّهَوَاتِ وَالتَّزَهُّدِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ فَرِيدًا عَنْ أَهْلِهِ وَحَبِيبِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ · العاقبة في ذكر الموت

نصّ الخطبة

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) . * سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) . * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاطَبَهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) . فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / * فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ زَادٍ، وَأَفْضَلُ مَا يُكْتَسَبُ وَيُسْتَفَادُ . * يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا عِبَادَ اللَّهِ / كُلٌّ مِنَّا سَيُوَدِّعُ هَذِهِ الْحَيَاةَ، عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مَُّؤَجَّلًا...) . * وَالْمَوْتُ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَلِكٍ أَوْ مَمْلُوكٍ، وَلَا بَيْنَ ثَرِيٍّ أَوْ صَعْلُوكٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِسِنٍّ أَوْ سَبَبٍ، وَلَا يُجَابِي أَهْلَ الْمَنَاصِبِ وَالرُّتَبِ . * الْمَوْتُ لَا يَنْفَعُ بِالْقُوَّةِ وَالْقِتَالِ، وَلَا يُفْتَدَى بِالْأَهْلِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَا يُحَالُ دُونَهُ بِالْمَعَاقِلِ وَالْأَقْفَالِ: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مَُّشَيَّدَةٍ) . أَيُّهَا النَّاسُ / حَدِيثُنَا لَكُمْ الْيَوْمَ عَنْ وَفَاةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَوْدِيعِهِ لِلدُّنْيَا . * فَعِنْدَمَا دَنَتْ اللَّحْظَةُ، الَّتِي طُوِيَتْ فِيهَا أَجْمَلُ وَرَقَةٍ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ، وَارْتَفَعَتْ فِيهَا أَطْهَرُ رُوحٍ فِي تَارِيخِ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرَهُ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) . * فَتَعَالَوْا نَعِيشُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الْعَصِيبَةَ، لَحْظَةَ الْفِرَاقِ، وَمَشْهَدَ الْوَدَاعِ . * مَرِضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، * وَفِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِهِ، كَشَفَ سِتَارَ غُرْفَتِهِ، وَكَانَتْ تُطِلُّ عَلَى الْمَسْجِدِ، فَرَأَى أَصْحَابَهُ صُفُوفًا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ رَاضٍ، وَهُوَ يَرَاهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . * قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَصِفُ هَذَا الْمَشْهَدَ: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ، فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا، قَالَ: فَبُهِتْنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ فَرَحٍ بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ، أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ» . * وَكَانَتِ الصَّلَاةُ أَكْثَرَ مَا أَوْصَى بِهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ . * قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ: (الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)» . * ثُمَّ دَنَتْ سَاعَةُ الِاحْتِضَارِ: - * تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْوَةٌ بِمَاءٍ، وَهِيَ القَرَبَةُ الصَّغِيرَةُ، فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ» . * ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ . * وَقَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَخَذَتْهُ بَحَّةٌ، يَقُولُ: «مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا»، قَالَتْ: فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ . مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ / إِنَّ مَوْتَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزَاءٌ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ أَوْ حَبِيبٌ، فَبِمَوْتِهِ يَتَسَلَّى أَهْلُ الْمَصَائِبِ، لِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمَصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمَصِيبَتِهِ بِي، عَنِ الْمَصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي؛ فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمَصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مَصِيبَتِي» . * وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ أَوَمَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِبَ جَمَّةٌ ... وَتَرَى المَنِيَّةَ لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ فَإِذَا ذَكَرْتَ مُصِيبَةً تَسْلُو بِهَا ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ * اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا خَيْرَ الْجَزَاءِ . * اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَاسْقِنَا مِنْ حَوْضِهِ شَرْبَةً هَنِيئَةً، لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا، يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ . * أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ~ === الخطبة الثانية === الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، الَّذِي لَهُ وَحْدَهُ الْبَقَاءُ وَالدَّوَامُ وَالْكَمَالُ، كَتَبَ عَلَى عِبَادِهِ الْمَوْتَ وَالْفَنَاءَ وَالزَّوَالَ . * وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ . * وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى جَمِيعِ الصَّحْبِ وَالْآلِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْمَآلِ . أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، تَذَكَّرُوا الْمَوْتَ؛ فَإِنَّهُ خَيْرُ وَاعِظٍ، وَاسْتَعِدُّوا لَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ . * قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «اعْلَمْ يَرَحَمُكَ اللَّهُ أَنَّ فِي الْقَبْرِ وَظُلْمَتِهِ، وَضِيقِهِ وَوَحْشَتِهِ، مَعَ طَرْحِ الْمَيِّتِ فِيهِ، غَيْرَ مُوَسَّدٍ وَلَا مُمَهَّدٍ، وَقَدْ بَاشَرَ التَّرَى، وَوَاجَهَ الْبِلَى، وَتَرَكَ دُنْيَاهُ لِلْوَرَى، وَنُبِذَ مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ بِالْعَرَاءِ، مَعَ حَبِيبٍ قَدْ تَرَكَهُ، وَقَرِيبٍ قَدْ أَسْلَمَهُ، وَنَصِيرٍ قَدْ أَفْرَدَهُ» . * إِنَّ فِي تَذَكُّرِ ذَلِكَ مَا يَقْطَعُ النُّفُوسَ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ صَعْبَةَ الْفِطَامِ، وَيُزَهِّدُهَا عَنِ اللَّذَّاتِ، وَإِنْ كَانَتْ طَلُوعًا بَعِيدَ الْمَرَامِ . * بَيْنَمَا الْمَرْءُ مُرْتَكِضٌ فِي أُمْنِيَّتِهِ، غَافِلٌ عَنْ يَوْمِ صَرْعَتِهِ وَمَنِيَّتِهِ، إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَصْرِ الْمَشِيدِ، وَالْمَنْزِلِ الْمُنَجَّدِ، وَالْمَتَاعِ الْمُزَخْرَفِ وَالنَّضِيدِ، إِلَى حُفْرَةٍ مِنَ الْأَرْضِ سَوْدَاءَ، ضَيِّقَةِ الْجَوَانِبِ وَالْأَرْجَاءِ . * فَلَعَلَّكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ يَشْكُو تَبْدِيلَ مَنَازِلٍ وَإِنْ كَانَتْ حِسَانًا، وَمِمَّنْ يَتَأَفَّفُ فِي الدُّنْيَا تَكَلُّفًا وَافْتِنَانًا . * فَانْظُرْ أَنَّهُ كَمْ بَيْنَ المَنْزِلَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَدْرَكِكَ فَيْضُ الرَّحْمَةِ، وَتَغْشَاكَ رَوَائِحُ الْجَنَّةِ، فَيَتَّسِعَ لَكَ الْقَبْرُ أَقْطَارُهُ، وَتَمْتَدَّ فِيهِ أَنْوَارُهُ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْنِسُهُ تَبْدِيلُ مَنْزِلِهِ ... وَأَنْ يُبَدَّلَ مِنْ مَتْرَكٍ حَسَنَا مَاذَا يَقُولُ إِذَا ضُمَّتْ جَوَانِبُهَا ... عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتْ مِنْ هَاهُنَا وَهُنَا مَاذَا يَقُولُ إِذَا أَمْسَى بِحُفْرَتِهِ ... فَرِيدًا وَقَدْ فَارَقَ الْأَهْلِينَ وَالسَّكَنَا أَنِسْ هُنَالِكَ يَا رَحْمَنُ وَحْشَتَنَا ... وَالْطُفْ بِنَا وَتَرَفَّقْ عِنْدَ ذَاكَ بِنَا نَحْنُ العُصَاةُ وَأَنْتَ اللَّهُ مَلْجَؤُنَا ... وَأَنْتَ مَقْصَدُنَا الْأَسْنَى وَطَلْبَتُنَا * اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتَنَا، وَآنِسْ وَحْشَتَنَا عِنْدَ وَفَاتِنَا . * اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .