→ رجوع إلى القائمة
رمضان شهر العفو والصبر
الملخّص
تتناول الخطبة فضيلة الصبر والتقوى واقترانهما في القرآن الكريم، مؤكدة أن شهر رمضان يمثل مدرسة كبرى لتربية النفس على هذه المعاني السامية. وتستعرض الخطبة بأسلوب منهجي الأسباب المعينة على تحمل أذى الخلق والعفو عنهم، مع الاستشهاد بمواقف من سيرة النبي ﷺ وعفوه الشامل عند فتح مكة، وتختم بالتذكير بأن العفو عن عباد الله هو أقصر طريق لنيل عفو الله ومغفرته.
النقاط
- اقتران الصبر بالتقوى في القرآن الكريم وسر هذا التلازم.
- رمضان مدرسة عملية لتربية النفس على الصبر وضبط الغرائز.
- أهمية الصبر على أذى الخلق وفضله في رفع الدرجات.
- استعراض سبعة أسباب تعين المسلم على العفو والصفح عن المسيئين.
- الاقتداء بهدي النبي ﷺ في العفو عند المقدرة كما في فتح مكة.
- بيان أن الجزاء من جنس العمل؛ فالعفو عن الناس سبيل لعفو الله.
الفوائد (10)
شاهد شعري
وَإِذَا عَفَوْتَ فَقَادِرًا وَمُقَدَّرًا
لَا يَسْتَبِدُّ بِعَفْوِكَ الْجُهَلَاءُ
وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ
هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُّحَمَاءُ
وَإِذَا غَضِبْتَ فَإِنَّمَا هِيَ غَضْبَةٌ
فِي الْحَقِّ لَا ضِغْنٌ وَلَا بَغْضَاءُ
— أحمد شوقي
سياقها: بيان صفات النبي ﷺ في العفو والرحمة والغضب لله
كلام الشيخ
اشْتِغَالُ النَّفْسِ بِالِانْتِقَامِ يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الزَّمَانِ، وَتَفَرُّقِ الْقَلْبِ، وَفَوَاتِ مَصَالِحَ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا.
· مفاسد الاشتغال بالانتقام والانتصار للنفس
كلام الشيخ
الْعَفْوُ وَالْإِصْلَاحُ يُورِثَانِ الْعَبْدَ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَنَقَاءَهُ، وَيَجِدُ بِهِمَا مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ مَا لَا يُحَقِّقُهُ لَهُ أَخْذُ الثَّأْرِ.
· أثر العفو على سلامة الصدر
كلام الشيخ
مَنْ عَفَا عَنِ النَّاسِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ غَفَرَ لَهُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
· الجزاء من جنس العمل في العفو
قول عالم
التَّقْوَى تَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ، أَمَّا الصَّبْرُ فَيَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَقْدُورِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بَلَغَ رُتْبَةَ الْمُحْسِنِينَ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · تفسير اقتران الصبر بالتقوى
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّوْمُ مَدْرَسَةٌ لِضَبْطِ النَّفْسِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، فَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يُقَابِلَ الْإِسَاءَةَ بِالسَّكِينَةِ وَالْإِعْرَاضِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · أدب الصائم عند التعرض للأذى
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى النَّاسِ عِنْدَ مُخَالَطَتِهِمْ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ تَجْعَلُ صَاحِبَهَا أَفْضَلَ مِمَّنْ آثَرَ الْعُزْلَةَ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · فضل الصبر على أذى الخلق
قول عالم
مِنْ أَسْبَابِ تَحَمُّلِ أَذَى الْآخَرِينَ أَنْ يَشْهَدَ الْعَبْدُ ذُنُوبَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا، فَيَشْتَغِلَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · أثر الذنوب في تسليط الخلق بالبلاء
قول عالم
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْعَفْوُ عَنِ الْمُسِيءِ لَا يَنْقُصُ مِنْ قَدْرِ الْعَبْدِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْعِزِّ وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ثمرة العفو في الدنيا والآخرة
قول عالم
كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفْحُ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْتَصِرُ إِلَّا إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى.
· هدي النبي ﷺ في العفو والانتصار للدين
نصّ الخطبة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَخَالِقُ الْعَبْدِ وَمَا نَوَى.
سُبْحَانَ مَنْ يَهْفُو وَيَعْفُو دَائِمًا .. وَلَمْ يَزَلْ مَهْمَا هَفَا الْعَبْدُ عَفَا
يُعْطِي الَّذِي يُخْطِئُ وَلَا يَمْنَعُهُ .. جَلَالُهُ عَنِ الْعَطَا لِذِي الْخَطَا
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (٦)﴾ [طه: ٥-٦].
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ الْمُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى، صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا جَنَّ الدُّجَى، وَمَا جَرَتْ فِي فَلَكٍ شَمْسُ الضُّحَى، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَزِيدًا.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ / أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى، فَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى.
قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
فَإِنْ سَأَلْتُمْ عَنْ سِرِّ الِاقْتِرَانِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى فِي الْقُرْآنِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْوَى تَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ، وَأَمَّا الصَّبْرُ فَيَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْمَقْدُورِ.
فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ فَقَدْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْمُحْسِنِينَ، وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
عِبَادَ اللَّهِ / رَمَضَانُ مَدْرَسَةٌ كُبْرَى، نَتَعَلَّمُ فِيهَا الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى، فَالصَّوْمُ فِيهِ دُرْبَةٌ عَلَى ضَبْطِ النَّفْسِ، وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ، وَالتَّحَكُّمِ فِي الْغَرَائِزِ وَالشَّهَوَاتِ.
لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ».
مَعْشَرَ الصَّائِمِينَ / مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ: (صَبْرٌ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ).
وَمَنْ عَاشَ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَذًى: بِمَا قَالَ وَاشٍ أَوْ تَكَلَّمَ حَاسِدُ.
لِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ عَلَى أَذَى النَّاسِ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَفْضَلُ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ / هُنَاكَ أَسْبَابٌ تُعِينُ عَلَى تَحَمُّلِ أَذَى الْآخَرِينَ.
فَإِذَا ابْتُلِيَ أَحَدُنَا بِحَسَدٍ أَوْ أَذًى، فَعَلَيْهِ - أَوَّلًا - أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَيَشْهَدَ تَقْدِيرَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَمَا لَهُ مِنْ حِكَمٍ بَالِغَةٍ؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ الْهَمِّ وَالْغَمِّ.
ثَانِيًا - أَنْ يَشْهَدَ ذُنُوبَهُ، وَأَنَّهُمْ سُلِّطُوا عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَشْتَغِلُ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَمَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ.
ثَالِثًا - أَنْ يَتَذَكَّرَ فَضْلَ الْعَفْوِ، وَحُسْنَ ثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا».
رَابِعًا - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا عَفَا وَأَصْلَحَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ سَلَامَةَ قَلْبِهِ، وَنَقَاءَ صَدْرِهِ، وَحَصَلَ لَهُ مِنْ حَلَاوَةِ الْعَفْوِ وَمَنْفَعَتِهِ، مَا لَا يُحَقِّقُهُ بِأَخْذِ الثَّأْرِ وَالِانْتِقَامِ.
خَامِسًا - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَتْ نَفْسُهُ بِالِانْتِقَامِ، ضَاعَ عَلَيْهِ زَمَانُهُ، وَتَفَرَّقَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ، وَفَاتَهُ مِنْ مَصَالِحِهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ.
سَادِسًا - أَنْ يَقْتَدِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، وَأَنَّهُ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا».
وَإِذَا عَفَوْتَ فَقَادِرًا وَمُقَدَّرًا .. لَا يَسْتَبِدُّ بِعَفْوِكَ الْجُهَلَاءُ
وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ .. هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُّحَمَاءُ
وَإِذَا غَضِبْتَ فَإِنَّمَا هِيَ غَضْبَةٌ .. فِي الْحَقِّ لَا ضِغْنٌ وَلَا بَغْضَاءُ
تَذَكَّرُوا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَاتِحًا مُنْتَصِرًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْعَامِ الثَّامِنِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ، لَا يَعْلَمُونَ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ، فَقَدْ آذَوْهُ وَحَارَبُوهُ، وَتَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ وَإِخْرَاجِهِ، فَمَاذَا قَالَ لَهُمْ؟ قَالَ لَهُمْ: «مَا تَقُولُونَ؟ وَمَا تَظُنُّونَ؟» قَالُوا: نَقُولُ خَيْرًا، وَنَظُنُّ خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: «فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُسْنَ الِاقْتِدَاءِ بِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ.
=== الخطبة الثانية ===
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَفُوِّ الْغَفُورِ، الْحَلِيمِ الشَّكُورِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ /
نَسْتَكْمِلُ الْأَسْبَابَ الَّتِي تُعِينُ عَلَى تَحَمُّلِ أَذَى الْآخَرِينَ، فَأَقُولُ: سَابِعًا - وَأَخْتِمُ بِهِ -: أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَأَنَّهُ مَعَ رَبِّهِ كَثِيرُ الظُّلْمِ وَالزَّلَلِ، فَإِذَا عَفَا عَنِ النَّاسِ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُمْ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهَ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
فَمَنْ شَهِدَ أَنَّ عَفْوَهُ عَنِ النَّاسِ سَبَبٌ لِأَنْ يَجْزِيَهُ اللَّهُ كَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، دَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّبْرِ.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ / شَهْرُ رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِلْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَالْمُسَامَحَةِ وَالصُّلْحِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنَّا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.