→ رجوع إلى القائمة

إِحْسَانُ الْعِبَادَةِ وَفَضْلُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ

الرمز: أ التاريخ: ٢/١٢/١٤٤٣هـ الفوائد: 9 الملفّ الأصلي ↗

الملخّص

تتناول هذه الخطبة مفهوم إحسان العبادة كغاية أساسية لخلق الإنس والجن، مستعرضةً الأدلة الشرعية التي تحث على بلوغ هذه المرتبة العالية من المراقبة والمشاهدة. وتسلط الضوء على مواسم الطاعات، وبخاصة عشر ذي الحجة، كفرصة ذهبية لمضاعفة الأجور والتدريب على تجويد العبادات والتقرب إلى الله بالفرائض والنوافل. كما تبين الخطبة الفضائل العظيمة التي أعدها الله للمحسنين، ومن أعظمها الفوز بمحبته ومعيته، والبشارة بالجنة، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه. وفي الخطبة الثانية، يوجه الشيخ نصائح قيمة للحجاج بضرورة تحقيق الحج المبرور من خلال الإحسان مع الخالق باتباع السنة، والإحسان مع المخلوق بحسن المعاملة وتجنب المشقة والجدال.

النقاط

الفوائد (9)

كلام الشيخ
«الْغَايَةُ الَّتِي خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهَا هِيَ إِحْسَانُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.»
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
«مِنْ أَجْلِ تَقْوِيمِ الْعِبَادِ، وَتَدْرِيبِهِمْ عَلَى حُسْنِ الْعِبَادَةِ، جَعَلَ اللَّهُ فِي الْعَامِ مَوَاسِمَ مُحَدَّدَةً، أَيَّامُهَا مَعْدُودَةٌ، تُكْثَفُ فِيهَا الْعِبَادَةُ، وَتُضَاعَفُ فِيهَا الْأُجُورُ.»
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
«لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ وَلَا مِنَ الْإِحْسَانِ فِي الْحَجِّ، أَنْ يَشُقَّ الْحَاجُّ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ.»
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
كلام الشيخ
«الْبِرُّ مَعَ الْعِبَادِ فِي الْحَجِّ يَكُونُ بِحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِ، وَكَفِّ الْأَذَى.»
· خطبة الشيخ محمد بن عبدالله آل مسلم الشهري
آية
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى · سورة [الذاريات]: [56]
آية
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى · سورة [العنكبوت]: [69]
حديث
«الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ · صحيح مسلم
حديث
«مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ»
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ · صحيح البخاري
قول عالم
«الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الْمَصْبُوغُ عَلَى الْبِرِّ، فَيَكُونُ فِيهِ بِرٌّ مَعَ الْخَالِقِ، وَبِرٌّ مَعَ الْمَخْلُوقِ.»
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ · شروح الحديث الشريف في الحج المبرور

نصّ الخطبة

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ، الَّذِي خَلَقَنَا لِلْعِبَادَةِ، وَوَعَدَنَا عَلَيْهَا الْجَنَّةَ وَزِيَادَةً، وَجَعَلَ عَاجِلَ بُشْرَاهَا: الطُّمَأْنِينَةَ وَالسَّعَادَةَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَعْظَمُ كَلِمَةٍ فِي الْوُجُودِ وَأَكْبَرُ شَهَادَةٍ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نَالَ بِحُسْنِ الْعِبَادَةِ: الرِّفْعَةَ وَالسِّيَادَةَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، أُولِي الْفَضْلِ وَالزِّيَادَةِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْإِعَادَةِ. أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؛ ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴾ [الحج: ٧٧]. عِبَادَ اللَّهِ، تَعْلَمُونَ جَمِيعًا أَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهَا هِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. لَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - مَا الصِّفَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهَا عِبَادَتُنَا لِرَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا؟! إِنَّهَا صِفَةُ الْإِحْسَانِ. قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]؛ أَيْ لِيَخْتَبِرَ عِبَادَتَهُ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عِبَادَةً. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. إِذَنْ فَالْغَايَةُ الَّتِي خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهَا هِيَ إِحْسَانُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَلِذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو فَيَقُولُ: «... وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ». وَقَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». فَإِنْ سَأَلْتُمْ - يَا عِبَادَ اللَّهِ -: كَيْفَ يَكُونُ إِحْسَانُ الْعِبَادَةِ؟ فَالْجَوَابُ بَيَّنَهُ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وَمَعْنَاهُ: أَنَّكَ تَسْتَيْقِنُ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، إِذَا اسْتَشْعَرْتَ بِقَلْبِكَ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ لَكَ، وَتُؤَدِّيَهَا حَسَنًا، إِذَا ارْتَقَيْتَ إِلَى مُشَاهَدَةِ صِفَاتِ اللَّهِ وَآثَارِهَا. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَمِنْ أَجْلِ تَقْوِيمِ الْعِبَادِ، وَتَدْرِيبِهِمْ عَلَى حُسْنِ الْعِبَادَةِ، جَعَلَ اللَّهُ فِي الْعَامِ مَوَاسِمَ مُحَدَّدَةً، أَيَّامُهَا مَعْدُودَةٌ، تُكْثَفُ فِيهَا الْعِبَادَةُ، وَتُضَاعَفُ فِيهَا الْأُجُورُ، لِتَكُونَ مُحَفِّزَةً لَنَا عَلَى حُسْنِ الْعِبَادَةِ، وَالتَّلَذُّذِ بِهَا، وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهَا. وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاسِمِ (عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ)، الَّتِي هِيَ قَلِيلَةٌ فِي الزَّمَانِ، وَثَقِيلَةٌ فِي الْمِيزَانِ، وَالْعِبَادَةُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟! قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». فَهَذَا - يَا عِبَادَ اللَّهِ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْفَرَائِضِ فِي غَيْرِهَا، وَأَكْثَرُ أَجْرًا، وَكَذَلِكَ النَّوَافِلُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ النَّوَافِلِ فِي غَيْرِهَا، وَأَكْثَرُ أَجْرًا. فَاحْرِصُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ، عَلَى إِحْسَانِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ، وَالتَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَالصِّلَةِ الدَّائِمَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَالتَّزَوُّدِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، عَسَى أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْمُحْسِنِينَ. مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُذَكِّرُكُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا ذَكَرَهُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، مِنْ فَضَائِلِ الْمُحْسِنِينَ: أَوَّلًا - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَعِيَّةِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ لِلْمُحْسِنِينَ، فَهُوَ مَعَهُمْ بِتَوْفِيقِهِ وَإِعَانَتِهِ وَنَصْرِهِ، يُدَافِعُ عَنْهُمْ، وَيُعْلِيهِمْ فِي الْحَرْبِ عَلَى مَنْ آذَاهُمْ. ثَانِيًا - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ فَمَا أَعْظَمَ أَنْ تَظْفَرَ بِمَحَبَّةِ مَلِكِ الْمُلُوكِ!! وَمَا أَعْظَمَ النَّفْعَ الَّذِي تَنَالُهُ بِذَلِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ!! ثَالِثًا - قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧]؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُحْسِنَ فِي عِبَادَتِهِ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، فَلَهُ مَا يَشَاءُ عِنْدَ رَبِّهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٣٤]. رَابِعًا - وَأَكْتَفِي بِهِ - قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. - (الْحُسْنَى) أَيِ الْجَنَّةُ الَّتِي لَا أَحْسَنَ مِنْهَا، وَهِيَ مَنَازِلُ الْمُحْسِنِينَ فِي الْجَنَّةِ. - (وَزِيَادَةٌ) أَيِ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَهَيْئَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ، فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ، وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ الْمَزِيدَ، ذَلِكَ أَنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، فَيَبْدُو أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: سَلُونِي، فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُكَ الرِّضَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: رِضَائِي أَوْلَاكُمْ دَارِي وَأَنَالُكُمْ كَرَامَتِي، ثُمَّ يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَأَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ، وَجَعَلَنَا بِفَضْلِهِ مُسْلِمِينَ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ: الْحَجُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَنُوصِي مَنْ عَزَمُوا عَلَى الْحَجِّ هَذَا الْعَامَ، أَنْ يَحْرِصُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ حَجُّهُمْ مَبْرُورًا لَا رَفَثَ فِيهِ وَلَا فُسُوقَ وَلَا آثَامَ. قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الْمَصْبُوغُ عَلَى الْبِرِّ، فَيَكُونُ فِيهِ بِرٌّ مَعَ الْخَالِقِ، وَبِرٌّ مَعَ الْمَخْلُوقِ. فَالْبِرُّ مَعَ الْخَالِقِ فِي الْحَجِّ أَنْ يُحْسِنَ أَدَاءَ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ، وَأَنْ يَقْتَدِيَ بِحَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». وَلَيْسَ مِنَ الْبِرِّ - يَا عِبَادَ اللَّهِ - وَلَا مِنَ الْإِحْسَانِ فِي الْحَجِّ، أَنْ يَشُقَّ الْحَاجُّ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، كَمَنْ يَتَعَرَّضُ لِضَرَبَاتِ الشَّمْسِ، خُصُوصًا مَعَ تَزَامُنِ الْحَجِّ مَعَ فَصْلِ الصَّيْفِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْبِرِّ فِي الْحَجِّ فَهُوَ الْبِرُّ مَعَ الْعِبَادِ، بِحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَالْبُعْدِ عَنِ الْخِصَامِ وَالْجِدَالِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَا، أَنْ يُوَفِّقَ الْحُجَّاجَ لِأَدَاءِ حَجِّهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنْهُمْ، وَأَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ حَجَّهُمْ مَبْرُورًا، وَسَعْيَهُمْ مَشْكُورًا، وَذَنْبَهُمْ مَغْفُورًا.