→ رجوع إلى القائمة
حَجَّةُ الْوَدَاعِ.. دُرُوسٌ وَعِبَرٌ مِنْ رِحْلَةِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الملخّص
تَنَاوَلَتِ الْخُطْبَةُ بَيَانَ تَفَاصِيلِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ خُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِي الْعَامِ الْعَاشِرِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَأَبْرَزَتِ الْمَظَاهِرَ الإِيمَانِيَّةَ وَالتَّوَاضُعَ النَّبَوِيَّ، وَمَا مَرَّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي طَرِيقِهِ وَفِي الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ مِنْ أَعْمَالٍ وَأَسْرَارٍ لِلْحَجِّ. كَمَا عَرَضَتْ لِفَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، مُوَضِّحَةً أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ كَمُلَ بِهَا الدِّينُ وَتَمَّتْ بِهَا النِّعْمَةُ.
النقاط
- عَزْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَجِّ فِي الْعَامِ الْعَاشِرِ وَتَجَهُّزُ الصَّحَابَةِ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ.
- التَّوَاضُعُ وَالتَّجَرُّدُ فِي إِحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ لِبَاسِ الإِحْرَامِ.
- مُرُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوَاضِعِ فِي الطَّرِيقِ وَتَذَكُّرُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
- أَسْرَارُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَفَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَالدُّعَاءِ فِيهِ.
- أَعْمَالُ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَخِتَامُ الْحَجِّ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ.
الفوائد (8)
شاهد شعري
قَضَى فِي الْحَيَاةِ مُصَلِّيًّا وَمُسَلِّمَا
لِأَجَلِّ مَنْ لَبَّى النِّدَاءَ وَأَحْرَمَا
بِالْبَيْتِ طَافَ وَقَبَّلَ ذَاكَ رُكْنَهُ
طَافَتْ بِعَرْشِ وَالِي ذَاكَ الْمَحْمَلَا
وَسَعَى وَكُلُّ حَيَاتِهِ سَعْيٌ إِلَى
مَرْضَاةِ خَالِقِهِ مُجِدًّا مُقْدِمَا
وَأَتَى لِيَنْحَرَ هَدْيَهُ فَتَسَابَقَتْ
إِبِلٌ إِلَيْهِ تَكَادُ تُهْدِيهِ الدَّمَا
وَكَأَنَّمَا عَرَفَاتُ تعرِفُ وَجْهَهُ
وَاللَّهُ بَاهَى بِالْحَجِيجِ وَكَرَّمَا
سياقها: وِصَافُ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسَابُقِ الْهَدْيِ لِنَحْرِهِ وَفَضْلِ مَوْقِفِ عَرَفَةَ
كلام الشيخ
حُكْمُ إِعْلَامِ النَّاسِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْحَجِّ وَتَعْلِيمِهِمْ أَحْكَامَهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ أَنَّهُ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ تَتَحَقَّقُ بِهَا التَّهِيِئَةُ الإِيمَانِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ لِلْعِبَادَةِ.
· خطبة الشيخ
كلام الشيخ
لِبَاسُ الإِحْرَامِ يُجَرِّدُ قَلْبَ الْمُحْرِمِ مِنَ الدُّنْيَا، وَيُذَكِّرُهُ بِسَاعَةِ خُرُوجِهِ مِنْ ثِيَابِهِ وَإِدْرَاجِهِ فِي أَكْفَانِهِ، كَمَا يُسَوِّي بَيْنَ الْحُجَّاجِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ.
· خطبة الشيخ
كلام الشيخ
السِّرُّ فِي الطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَنَّ الْعَبْدَ يَطُوفُ بِبَيْتِ سَيِّدِهِ طَلَبًا لِضِيَافَتِهِ وَزِيَادَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ.
· خطبة الشيخ
كلام الشيخ
مِنْ حِكَمِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَذَكُّرُ قِصَّةِ هَاجَرَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فِي بَحْثِهَا عَنِ الْمَاءِ لِابْنِهَا، وَفِيهِ دَعْوَةٌ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِيمَا نَتَحَمَّلُهُ لِلأُمَّةِ امْتِثَالًا لأَمْرِ اللَّهِ.
· خطبة الشيخ
كلام الشيخ
حِرْصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَةِ عَرَفَةَ عَلَى الإِشْهَادِ عَلَى كَمَالِ الْبَلَاغِ وَإِتْمَامِ الرِّسَالَةِ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ أَمَانَةِ الدِّينِ وَوُجُوبِ رِعَايَتِهَا.
· خطبة الشيخ
قول عالم
تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى الْخَيْرَاتِ فِيهَا صِفَةُ أَهْلِ التَّقْوَى وَعَلَامَةُ إِيمَانِ الْقُلُوبِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · تفسير القرآن الكريم
قول عالم
أَفْضَلُ الدُّعَاءِ مَا كَانَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ الذِّكْرِ فِيهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ · شروح الحديث
نصّ الخطبة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ وَأَكْمَلَ لَنَا الدِّينَ ، وَجَعَلَنَا بِفَضْلِهِ مُسْلِمِينَ .
* وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] .
* وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ /
* وَعَظِّمُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ ، بِالْمُسَارَعَةِ فِيهَا إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْبُعْدِ عَنِ الآثَامِ .
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
عِبَادَ اللَّهِ ، حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ أَعْظَمِ رِحْلَةٍ ، وَهِيَ الرِّحْلَةُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَالْحُجَّاجُ هُمْ وَفْدُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ» .
* تَعَالَوْا نَسْتَعْرِضْ هَذِهِ الرِّحْلَةَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْعَامِ الْعَاشِرِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ حَاجٌّ فَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ ، وَسَمِعَ ذَلِكَ مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَقَدِمُوا يُرِيدُونَ الْحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَافَاهُ فِي الطَّرِيقِ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ . وَكَانَ خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَهَارًا بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا يَوْمَ السَّبْتِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَقَبْلَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَظَهُمْ فِي الْخُطْبَةِ عَنْ وَاجِبَاتِ الْإِحْرَامِ وَسُنَنِهِ .
* خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُتَوَاضِعًا عَلَى رَحْلٍ لَا فِيهِ حِلْيَةٌ وَلَا هَوْدَجَ ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ خَلِقَةٍ ، تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ لَا تُسَاوِي ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَجَّةً لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ» .
* وَلَمَّا نَزَلَ بِمِيقَاتِ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ رَكْعَتَيْنِ ، وَبَاتَ بِهَا إِلَى الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْرَمَ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ ، لِيَتَجَرَّدَ قَلْبُ الْمُحْرِمِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَيَتَذَكَّرَ سَاعَةَ خُرُوجِهِ مِنْ ثِيَابِهِ وَإِدْرَاجِهِ فِي أَكْفَانِهِ .
* وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ الْحُجَّاجُ جَمِيعًا فِي لِبَاسٍ وَاحِدٍ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ رَئِيسٍ وَمَرْؤُوسٍ ، وَلَا بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ .
* وَبَعْدَ أَنْ لَبِسَ الْإِحْرَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَارِنًا ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ وَأَهَلَّ أَيْضًا ثُمَّ لَبَّى: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» .
* وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى سَمِعَهُ أَصْحَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ» .
* أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ / وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي طَرِيقِهِمْ حَتَّى مَرُّوا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: الرَّوْحَاءُ (بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ) فَقَالَ: «لَقَدْ مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا ، فِيهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى حُفَاةً ، عَلَيْهِمُ الْعَبَاءُ ، يَؤُمُّونَ بَيْتَ اللَّهِ الْعَتِيقَ» .
* ثُمَّ لَمَّا بَلَغُوا وَادِيَ الْأَزْرَقِ ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا هَذَا الْوَادِي؟» قَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ . قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى هَابِطًا ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّكْبِيرِ» .
* ثُمَّ لَمَّا أَتَوْا عَلَى ثَنِيَّةٍ ، وَهِيَ مُنْعَطَفٌ يُحْنَى عِنْدَهُ الطَّرِيقُ ، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ ، خِطَامُهَا لِيفٌ ، وَهُوَ يُلَبِّي وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ» .
* ثُمَّ وَاصَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْرَهُ إِلَى أَنْ وَصَلَ مَكَّةَ نَهَارًا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَاسْتَغْرَقَتْ رِحْلَتُهُ تِسْعَةَ أَيَّامٍ ، فَسَارَعَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَبَدَأَ بِالطَّوَافِ ، وَجَعَلَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافَ ، فَطَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ سَبْعًا ، وَفِيهِ أَسْرَارُ الطَّوَافِ: أَنَّ الْعَبْدَ يَطُوفُ بِبَيْتِ سَيِّدِهِ طَلَبًا لِضِيَافَتِهِ وَزِيَادَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ .
* ثُمَّ مَضَى إِلَى الْمَسْعَى فَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ، وَمِنْ حِكَمِ السَّعْيِ: أَنَّهُ يُذَكِّرُنَا بِقِصَّةِ هَاجَرَ وَهِيَ تَسْعَى وَتَهْرُؤُ بَحْثًا عَنِ الْمَاءِ لِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَفِي ذَلِك دَعْوَةٌ لَنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِيمَا نَتَحَمَّلُ لِلأُمَّةِ مِنْ أَجْلِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
* وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ (يَوْمِ التَّرْوِيَةِ) تَوَجَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مِنًى ، وَبَعْدَ أَنْ طَلَعَتْ شَمْسُ الْيَوْمِ التَّاسِعِ (يَوْمِ عَرَفَةَ) نَفَرُوا إِلَى عَرَفَةَ .
* وَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَرُحِلَتْ لَهُ الْقَصْوَاءُ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً مَا سُمِعَ مِثْلُهَا أَعْظَمَ فِيهَا شَأْنَ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ وَالأَعْرَاضِ ، ثُمَّ قَالَ فِي خِتَامِهَا: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ . فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَهَذَا مِنْ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى كَمَالِ الْبَلَاغِ وَإِتْمَامِ الرِّسَالَةِ .
هَذَا ، وَقَدْ شَعَرَ أَصْحَابُهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةُ مُوَدِّعٍ ، وَأَنَّ أَجَلَهُ قَدْ دَنَا ، لَاسِيَّمَا وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
* لِذَلِكَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ .
* وَمِمَّا ذَكَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟! اشْهَدُوا - مَلَائِكَتِي - أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .
* وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
* كَذَلِكَ أَخْبَرَ بِفَضْلِ صِيَامِهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ ، فَإِنَّ الْحَاجَّ لَا يَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ .
* قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» .
* اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَكَفِّرْ عَنَّا الذُّنُوبَ وَالسَّيِّئَاتِ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
* أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
=== الخطبة الثانية ===
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا أَوْفَاهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ .
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ / نَسْتَكْمِلُ الْحَدِيثَ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
* فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ خُطْبَةَ عَرَفَةَ صَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا وَقَصْرًا ، ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ عَلَى نَاقَتِهِ ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، وَهُوَ يُخَاطِبُ الْجَمْعَ قَائِلًا: «أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» ، وَمَضَى حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ رَكِبَ نَاقَتَهُ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ ،
* وَفِي أَوَّلِ يَوْمِ نَحْرٍ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ رَكِبَ نَاقَتَهُ وَسَارَ إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهُنَّ ، وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» .
* ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمِائَةِ ، وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كُلَّمَا قَرَّبَتْ إِلَيْهِ بَدَنَةٌ لِيَنْحَرَهَا ، طَفِقَتْ يَتَسَابَقْنَ إِلَيْهِ ، بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ .
* فَلَمَّا أَكْمَلَ نَحْرَ هَدْيِهِ أَمَرَ لِحَالِقٍ فَحَلَقَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الظُّهْرِ فَطَافَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَبَاتَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَانَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ يَرْمِي الْجِمَارَ الثَّلَاثَ ،
* وَفِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ ، بَعْدَ رِحْلَةٍ إِيمَانِيَّةٍ ، كَمُلَ بِهَا الدِّينُ ، وَتَمَّتِ النِّعْمَةُ ، وَقَامَتِ الشَّرِيعَةُ ، ثُمَّ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ حَجَّتِهِ إِلا حَوَالَيْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ .
قَضَى فِي الْحَيَاةِ مُصَلِّيًّا وَمُسَلِّمَا ... لِأَجَلِّ مَنْ لَبَّى النِّدَاءَ وَأَحْرَمَا
بِالْبَيْتِ طَافَ وَقَبَّلَ ذَاكَ رُكْنَهُ ... طَافَتْ بِعَرْشِ وَالِي ذَاكَ الْمَحْمَلَا
وَسَعَى وَكُلُّ حَيَاتِهِ سَعْيٌ إِلَى ... مَرْضَاةِ خَالِقِهِ مُجِدًّا مُقْدِمَا
وَأَتَى لِيَنْحَرَ هَدْيَهُ فَتَسَابَقَتْ ... إِبِلٌ إِلَيْهِ تَكَادُ تُهْدِيهِ الدَّمَا
وَكَأَنَّمَا عَرَفَاتُ تَعْرِفُ وَجْهَهُ ... وَاللَّهُ بَاهَى بِالْحَجِيجِ وَكَرَّمَا
* اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .
* وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .